مصرع خامنئي بين سقوط الرمز وارتباك الموقف: أين يتموضع إخوان اليمن في معادلة الصراع؟
في لحظة إقليمية استثنائية، يتقدم إعلان مصرع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، علي خامنئي، إلى صدارة المشهد السياسي في الشرق الأوسط، باعتباره حدثًا يعيد خلط أوراق الصراع الإقليمي ويضع مختلف الفاعلين أمام اختبار مواقفهم وخياراتهم.
الإعلان الرسمي الصادر عن إيران، والذي تزامن مع تصعيد عسكري واسع تقوده وتنفذه إسرائيل والولايات المتحدة واستهدف مواقع سيادية وعسكرية داخل الأراضي الإيرانية، لم يكن مجرد تطور أمني عابر، بل محطة مفصلية يُتوقع أن تكون لها تداعيات استراتيجية عميقة على توازنات المنطقة.
الحدث يأتي في سياق تراكم تاريخي ارتبط بما يُعرف بالمشروع الإيراني، الذي تشكلت ملامحه منذ ثورة 1979، وقام على فكرة تصدير النفوذ وبناء شبكات تحالف عابرة للحدود. وبينما تنظر طهران إلى هذه السياسة باعتبارها امتدادًا لأمنها القومي ومجالها الحيوي، يرى خصومها أنها كانت أحد أبرز أسباب إعادة تشكيل الصراعات الداخلية في عدد من الدول العربية وتحويلها إلى ساحات تنافس إقليمي مفتوح.
المشروع الإيراني وكلفة التمدد
على مدى أربعة عقود، رسخت إيران حضورها في ملفات إقليمية معقدة، بدءًا من دعم النظام السوري، مرورًا بتعزيز نفوذ فصائل مسلحة في العراق، ووصولًا إلى دعم حزب الله في لبنان بوصفه ذراعًا عسكرية وسياسية مؤثرة في معادلة الردع.
غير أن الساحة اليمنية كانت من أكثر الساحات حساسية في هذا السياق، إذ ارتبط اسم طهران بدعم مليشيات الحوثي التي نفذت انقلابًا على مؤسسات الدولة عام 2014، ما أدخل البلاد في حرب مستمرة حتى اليوم.
بالنسبة لقطاع كبير وواسع من اليمنيين، ارتبط المشروع الإيراني بصورة مباشرة بحالة الانقسام السياسي والعسكري، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وتعطيل مؤسسات الدولة. ومن هذا المنظور، فإن أي تطور يطول رأس الهرم في النظام الإيراني يُقرأ باعتباره عاملًا محتملًا لإعادة صياغة موازين القوى، سواء عبر إضعاف أدوات النفوذ أو إعادة ترتيبها بصورة مختلفة.
التصعيد العسكري واتساع رقعة المواجهة
الضربات التي استهدفت مواقع عسكرية وأمنية داخل إيران، والتي أُعلن على إثرها مصرع خامنئي وعدد من القيادات العسكرية، مثّلت تحولًا نوعيًا في مستوى المواجهة. غير أن التصعيد لم يتوقف عند حدود الجغرافيا الإيرانية.
ففي أعقاب الهجمات، شهدت منطقة الخليج موجة توتر غير مسبوقة، حيث أعلنت عدة دول خليجية تعرضها لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة نفذتها النظام والحرس الثوري الإيراني، طالت محيط منشآت حيوية ومرافق مدنية وعسكرية في كل من الإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين وقطر.
وأفادت تقارير باعتراض صواريخ في الأجواء الخليجية، وسقوط شظايا قرب مطارات ومنشآت اقتصادية، إضافة إلى إجراءات احترازية شملت إغلاقًا مؤقتًا للأجواء وتعليق بعض الرحلات الجوية. كما صدرت إدانات رسمية اعتبرت الهجمات انتهاكًا لسيادة الدول وتهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة.
هذا الاتساع في رقعة المواجهة نقل الصراع من إطار الضربات المتبادلة بين أطراف محددة إلى مستوى إقليمي مفتوح، يضع الخليج العربي في قلب المعادلة العسكرية، ويضاعف من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أشمل.
مرحلة ما بعد المرشد: ارتباك أم إعادة تموضع؟
هذا التحول يثير تساؤلات حول مستقبل البنية القيادية للنظام الإيراني، ومدى تماسك مؤسساته في مرحلة ما بعد خامنئي، كما ينعكس بالضرورة على الأذرع الإقليمية المرتبطة بطهران، ومنها مليشيات الحوثي في اليمن.
وفي ظل هذا المشهد، يصبح من المشروع التساؤل عن كيفية تموضع القوى اليمنية المختلفة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المتمثلة بحزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي يُعد واحداً من أبرز مكونات المعسكر المؤيد للحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا.
الإصلاح.. بين الشرعية والانتماء الفكري
ينتمي حزب الإصلاح الإخوان في اليمن إلى معسكر الحكومة المناهضة لانقلاب الحوثيين، وهو جزء من جبهة سياسية وعسكرية تخوض صراعًا مفتوحًا مع مليشيات مدعومة من إيران. هذا الموقع يضعه –نظريًا– في مواجهة مباشرة مع النفوذ الإيراني في اليمن، ويجعل أي إضعاف لمركز القرار في طهران تطورًا قد يُفسر باعتباره فرصة لإعادة التوازن في الداخل اليمني.
غير أن البعد الأيديولوجي المرتبط بمدرسة الإخوان المسلمين يضيف طبقة أخرى من التعقيد. فخطاب جماعة الإخوان في اليمن التقليدي يضع الصراع مع إسرائيل في صدارة الأولويات، ويُبدي تحفظًا تجاه أي اصطفاف يُفهم منه تأييد لتحرك عسكري تقوده إسرائيل أو الولايات المتحدة، حتى لو استهدف خصمًا سياسيًا أو مذهبيًا.
وفي سياق التصعيد الأخير، برزت تصريحات ومنشورات محسوبة على التيار المرتبط بالإصلاح شددت على رفض الوقوف مع إسرائيل أو الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران، معتبرة أن الموقف المبدئي يجب أن ينطلق من رفض دعم قوة تُعد خصمًا تاريخيًا، بغض النظر عن الخلاف مع السياسات الإيرانية، وما أحدثه الانقلاب الحوثي ذراع إيران وأبرز وكلائها في المنطقة من حرب وصراع مستمر يدفع اليمنيون ثمنه حتى اللحظة.
وصف “الاستشهاد” والجدل داخل معسكر الشرعية
الجدل اتسع بعد تداول توصيفات دينية لمصرع خامنئي، من قبل ناشطين ووعاظ منتمين لجماعة الإخوان في اليمن، ما أثار انتقادات داخل كثير من الصف الجمهوري ومكوناته في الحكومة الشرعية، رأت أن منح رمزية إيجابية لزعيم ارتبط اسمه بدعم مليشيات تناصب الدولة اليمنية العداء المسلح يمثل تناقضًا سياسيًا وأخلاقيًا.
منتقدو هذا الخطاب يشيرون إلى أن الهجمات التي طالت دول الخليج مؤخرًا تعزز صورة إيران كفاعل مباشر في تهديد الأمن العربي، ما يجعل أي خطاب يُفهم منه تعاطف معنوي معها موضع تساؤل شعبي وسياسي.
في المقابل، يؤكد المدافعون أن توصيف الحدث لا يعني تبني السياسات الإيرانية، بل يعكس رفضًا لمساندة تدخل عسكري تقوده أطراف يعتبرونها خصومًا استراتيجيين.
إشكالية ترتيب الأولويات
في جوهر النقاش، تبرز إشكالية ترتيب الأولويات بين الثابت الأيديولوجي والمصلحة الوطنية المباشرة. ففي الحالة اليمنية، يرتبط النفوذ الإيراني بشكل مباشر باستمرار الانقلاب وتعطيل مؤسسات الدولة. كما أن توسع الهجمات ليشمل دول الخليج يضيف بعدًا عربيًا أوسع للصراع، ويعيد طرح سؤال الاصطفاف الإقليمي من زاوية الأمن القومي الجماعي.
اليمنيون الذين أنهكتهم سنوات الحرب ينتظرون وضوحًا سياسيًا ينسجم مع هدف استعادة الدولة. وفي ظل التحولات الكبرى، يصبح اتساق الخطاب داخل معسكر الشرعية عاملًا حاسمًا في تعزيز الثقة الشعبية.
بين التحول الإقليمي والرهان الوطني
مصرع علي خامنئي، بما يحمله من دلالات رمزية وسياسية، متزامنًا مع اتساع المواجهة لتشمل الخليج العربي، يفتح مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة. غير أن انعكاساته على اليمن ستظل رهينة بقدرة الفاعلين المحليين على قراءة اللحظة بواقعية سياسية توازن بين الثوابت الفكرية والضرورات الوطنية.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تُستثمر التحولات الإقليمية ــ بما فيها انتقال المواجهة إلى العمق الخليجي ــ في تعزيز مشروع الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب، أم تتحول إلى عامل إضافي لإعادة إنتاج الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين؟
في قلب هذه العاصفة الإقليمية، يقف اليمن مرة أخرى أمام اختبار تاريخي، حيث لا تُقاس المواقف بالشعارات، بل بمدى قدرتها على خدمة معركة الدولة أولًا وأخيرًا.