من حزب الله إلى الحوثي.. استراتيجية "الاستئصال" التي تتجاوز قطع رأس الأفعى (تحليل)
كشف تقرير حديث لمنتدى الشرق الأوسط عن طبيعة المواجهة المعقدة التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي تتركز في ثلاثة محاور استراتيجية: الطموحات النووية، وبرامج الصواريخ الباليستية، وشبكة الوكلاء العابرة للحدود. ورغم مؤشرات النجاح التي حققتها الضغوط الدولية والعمليات الاستخباراتية في تقويض بعض هذه الأذرع، إلا أن التقرير يخلص إلى أن زوال النظام في طهران قد لا ينهي بالضرورة التهديدات المتجذرة لشبكة الوكلاء الإقليميين، خاصة تلك التي تمتلك أبعاداً تاريخية ومحلية تتجاوز الارتباط الأيديولوجي بالنظام الإيراني.
ذعر في صفوف "الوكلاء"
يقول الصحفي مايكل روبين، الزميل في معهد "أمريكان إنتربرايز" والمسؤول السابق في البنتاغون، إن الميليشيات الموالية لإيران تعيش حالة من الارتباك غير المسبوق. ففي لبنان، أدت الاختراقات الاستخباراتية الإسرائيلية إلى شلل مادي ومعنوي في صفوف حزب الله، ورغم اختفاء مقاتليه عن الأنظار، إلا أن الحزب لا يزال يحتفظ بقدرات "النزاع البدائي" الفتاكة عبر القناصة والعبوات الناسفة، مدعوماً بشبكات مالية في إفريقيا وأمريكا الجنوبية لم تُستهدف بجدية بعد.
ويضيف روبين أنه يبرز تقصير أمريكي دبلوماسي في عدم الضغط لإزاحة الشخصيات التي توفر غطاءً سياسياً لهذه الجماعات، وعلى رأسهم نبيه بري؛ إذ إن تحرير لبنان يتطلب إبعاد الوجوه الفاسدة التي تعرقل قيام الدولة، كما يتطلب حزماً مع أطراف إقليمية كتركيا، التي تشير تقارير استخباراتية إلى دورها الخفي في إبقاء شريان الحياة متصلاً بحزب الله.
أما في العراق، فقد تحول "التحوط" إلى استراتيجية بقاء؛ حيث يسابق السياسيون وقادة الميليشيات -بمن فيهم نوري المالكي- الزمن لتسييل ممتلكاتهم وتغيير هوياتهم خوفاً من المسيرات الأمريكية. إن أي ضربة قاصمة لإيران ستنهي أحلام العودة السياسية للمالكي، الذي ارتمى في أحضان طهران بدافع الانتهازية، وبات اليوم يشكل خطراً حتى على المقربين منه.
وعلى جبهة غزة، لا تزال حماس تتبنى استراتيجية "النصر عبر البقاء"؛ فإخماد 90% من الحريق لا يعني السيطرة عليه، والحركة تراهن على تجاوز حقبة "دونالد ترامب" وحتى حقبة محمود عباس لتثبيت شرعيتها كقوة صامدة. بالنسبة لحماس، فإن مجرد وجودها كقوة مسلحة بعد هذه الأزمات يعد انتصاراً كافياً.
المعضلة اليمنية.. مواجهة الحوثيين؟
بينما قد تنهار المجموعات التي أنشأتها إيران من العدم بمجرد سقوط الممول، يبدو المشهد في اليمن مختلفاً وجوهرياً. يرى الكاتب مايكل روبين، الخبير المتخصص في شؤون الشرق الأوسط والنزاعات الإقليمية، أن الحوثيين ليسوا مجرد "وكيل مستحدث"، بل هم التجلي الأحدث لنظام "الإمامة" الذي حكم اليمن لقرون قبل ثورة 1962.
ويضيف أن نفوذ وتغلغل الحوثيين في المناطق الجبلية يسبق الدعم الإيراني، وبإمكانهم الصمود حتى لو انقطعت إمدادات طهران. وما يزيد المشهد تعقيداً هو الدور المتذبذب لبعض القوى الإقليمية؛ حيث ساهم استهداف القوات الجنوبية (إحدى القوى القادرة على هزيمتهم) والدعم غير المباشر لجماعة "الإصلاح" في منح الحوثيين هوامش مناورة واسعة.
خارطة طريق للمواجهة
ونوه الكاتب مايكل روبين إلى أن مكافحة "الأذرع العميقة" التي تسبق في وجودها نظام الملالي تتطلب جهداً منسقاً يتجاوز مجرد تغيير النظام في إيران. وفي الحالة الحوثية تحديداً، يجب اتخاذ خطوات حاسمة تشمل استهداف قيادات الصف الأول بشكل مباشر ومستمر، وانتزاع السيطرة الفعلية على الموانئ الحيوية كالحديدة، وتصنيف حزب الإصلاح اليمني منظمة إرهابية لقطع طرق المناورة السياسية، وممارسة ضغط دبلوماسي على الرياض لوقف سياسة "الاسترضاء" مقابل الهدوء المؤقت.
ويختتم الكاتب تقريره بالقول، إن الميليشيات التي ولدت من رحم الثورة الإيرانية قد تختفي باختفائها، أما تلك التي استغلتها إيران ولم توجدها، فستحتاج إلى استراتيجية استئصال طويلة الأمد لا تكتفي بقطع الرأس في طهران، بل تلاحق الجذور في جبال صعدة وضاحية بيروت.