مسؤولون عسكريون ومشتركون محليون: شركات الاتصالات في الضالع خطر صامت يهدد الأمن ويخنق الاقتصاد
في محافظة الضالع (وسط اليمن)، حيث تتقاطع التحديات الأمنية مع الهشاشة الخدمية، تتفاقم أزمة خدمة الاتصالات والانترنت بشكل لافت، لتتحول من مجرد خلل تقني إلى عامل ضغط مباشر على الاستقرار الأمني والنشاط الاقتصادي.
ومع تصاعد شكاوى المواطنين، تبرز تساؤلات ملحّة حول مسؤولية شركات الاتصالات ودور الجهات المعنية في احتواء أزمة باتت تمس تفاصيل الحياة اليومية ومفاصل الأمن المحلي.
يشكو مئات من مشتركي خدمات الهاتف المحمول في عدد من مديريات محافظة الضالع من تدهور حاد في جودة الاتصالات وخدمات الإنترنت، في ظل غياب أي معالجات ملموسة حتى الآن.
وأفاد سكان في مديريات قعطبة، الشعيب، والأزارق، أن الخدمة المقدمة من شركات الاتصالات العاملة (يمن موبايل، سبأفون، YOU) تعاني من ضعف شديد في الإتصالات والانترنت، يصل في بعض المناطق إلى شبه انعدام، خصوصاً في القرى والتجمعات السكانية البعيدة.
ويؤكد المشتركون لوكالة "خبر" أنهم لا يحصلون على الحد الأدنى من الخدمة مقابل ما يدفعونه من رسوم شهرية، حيث باتت عمليات بسيطة مثل إرسال الصور أو تحميل مقاطع قصيرة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي أمراً بالغ الصعوبة، فضلاً عن تعذر تصفح المواقع الإخبارية أو مشاهدة الفيديوهات.
فجوة بين الكلفة وجودة الخدمة
وتتزايد حدة الاستياء في ظل تقديرات تشير إلى أن عدد المشتركين في هذه الشركات يصل إلى مئات الآلاف، ما يدرّ عليها عائدات مالية كبيرة، دون أن يقابله تحسن في جودة الخدمة رُغم أن بعضها أدخلت في خدماتها خدمة 4G.
ويعتبر مشتركون أن هذا التفاوت بين الكلفة والخدمة يطرح تساؤلات قانونية حول التزام الشركات بمعايير تقديم الخدمة، ويستدعي تدخلاً رقابياً أكثر صرامة لضمان حقوق المستهلكين.
امتداد الأزمة إلى مركز المحافظة
ولم تقتصر الأزمة على المناطق الريفية، بل امتدت إلى مدينة الضالع، عاصمة المحافظة، ما يعكس اتساع نطاق المشكلة وتحولها إلى أزمة عامة تمس مختلف القطاعات، بما في ذلك الأنشطة التجارية والخدمية.
ويؤكد مواطنون لـ"خبر" أن ضعف الاتصالات تسبب في خسائر مادية مباشرة، خصوصاً للأنشطة المرتبطة بالتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية، فضلاً عن تعطيل مصالح يومية تعتمد بشكل متزايد على الاتصال بالإنترنت.
تداعيات اقتصادية
مصدر مسؤول في مكتب الصناعة والتجارة بالمحافظة، وآخر في إدارة مديرية قعطبة، أوضحا لـ"خبر" أن رداءة خدمات الاتصالات أثرت سلباً على الحركة الاقتصادية، في وقت تشهد فيه المديرية توسعاً عمرانياً ونشاطاً تجارياً متزايداً نتيجة تدفق آلاف الأسر النازحة خلال السنوات الماضية.
وقد أسهم فتح خط (مريس- قعطبة) الرابط بين صنعاء وعدن في تنشيط الحركة التجارية وتسهيل حركة المسافرين ونقل البضائع، ما ضاعف من أهمية وجود بنية اتصالات فعالة تواكب هذا النمو، إلا أن الواقع الحالي يعكس فجوة واضحة بين الاحتياج الفعلي وجودة الخدمات المقدمة.
أبعاد أمنية خطيرة
على الصعيد الأمني، تكشف مصادر عسكرية وأمنية أن ضعف الاتصالات خلق فجوة مقلقة بين المواطنين والأجهزة الأمنية، نتيجة تعذر إرسال واستقبال البلاغات، خاصة في القضايا الحساسة.
وتشمل هذه القضايا تحركات عناصر مليشيا الحوثي الإرهابية، وجرائم العنف الأسري، ونشاط تهريب وترويج المواد المخدرة، وهي ملفات تتطلب استجابة فورية وتواصلاً فعالاً.
وتؤكد المصادر لـ"خبر" أن هذا القصور أتاح، ولو بشكل نسبي، هامش حركة أوسع لعناصر الحوثيين في بعض المناطق، في ظل اعتماد الأجهزة الأمنية على وسائل اتصال محدودة، وتجنب استخدام أجهزة قد تكون عرضة للرصد.
بيئة خصبة للفوضى
كما أسهم ضعف الاتصالات في تأخير احتواء بعض القضايا المجتمعية، ما أتاح المجال لتضخيمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستغلالها من قبل جهات معادية لإثارة التوترات وتغذية الانقسامات.
وتحذر المصادر من أن هذا الواقع يمنح مليشيا الحوثي ووسائل الإعلام فرصة لتوظيف الأحداث مناطقياً وإعلامياً، بما يهدد النسيج الاجتماعي ويشتت جهود الأجهزة الأمنية والعسكرية.
واتهمت مصادر عديدة، اضطلاع مليشيا الحوثي في التلاعب بجودة خدمة الإتصالات والإنترنت، لا سيما وهذا القطاع لا يزال يخضع للسيطرة المباشرة من وزارة الاتصالات التابعة للجماعة في صنعاء.
ورغم إقرار المصادر بأن مسؤولية الأزمة لا تقع على شركات الاتصالات وحدها، إلا أنها تشدد على أن تحسين جودة الخدمة يمثل أولوية لا تحتمل التأجيل، نظراً لتأثيرها المباشر على الأمن والاستقرار والاقتصاد.
وفي ظل استمرار الشكاوى واتساع رقعة المعاناة، تبدو الحاجة ملحّة لتحرك عاجل من الجهات المختصة لفرض معايير جودة صارمة، وضمان تقديم خدمات اتصالات وانترنت مناسبة لمشتركي شركات الهاتف المحمول وتواكب التحديات التي تواجهها محافظة الضالع، وتدعم صمودها في وجه الأزمات المتعددة.