زلزال "عمران" وسقوط الأقنعة.. خيانة الإصلاح والهروب
تأسست العلاقة بين حزب التجمع اليمني للإصلاح ومليشيا الحوثي على قاعدة "تحالف الضرورة" ضمن تكتل اللقاء المشترك، حيث وفر الإصلاح غطاءً سياسياً وحقوقياً للحوثيين خلال حروب صعدة الست كجزء من تكتيك إضعاف نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، رغم الهوة الأيديولوجية السحيقة بين مشروع الجمهورية والتعددية الذي يرفعه الإصلاح، ومشروع الولاية الذي تضمره المليشيا.
مثلت أحداث عام 2011 ذروة هذا التقارب التكتيكي في ساحات الاعتصامات، إلا أن التوقيع على المبادرة الخليجية كشف عن أول تصدع استراتيجي؛ إذ اختار الإصلاح مساراً جمع بين الطابع السياسي والعسكري السياسي، بينما اعتبره الحوثيون عائقاً أمام طموحهم السلطوي المسلح، ليبدأوا مساراً مزدوجاً يجمع بين التفاوض في صنعاء والتوسع العسكري الميداني في المناطق القبلية.
كان سقوط محافظة عمران في يوليو 2014 بمثابة الزلزال الذي دمر ما تبقى من خيوط واهية بين الطرفين، حيث مثّل مقتل العميد حميد القشيبي المحسوب على تيار الإصلاح في الجيش نقطة "لا عودة"، وأدرك الحزب حينها أن المليشيا لا تبحث عن شراكة سياسية بقدر ما تسعى لاستئصال نفوذه العسكري والسياسي والقبلي تمهيداً للانقضاض على العاصمة.
في 21 سبتمبر 2014، اجتاحت المليشيا الحوثية صنعاء، وكان حزب الإصلاح والاستيلاء على السلطة هدفا مشتركاً لهذا الاجتياح، وهو ما دفع الحزب إلى إيقاف أي تدخل بما في ذلك العسكري فيما يتعلق بالقوات الموالية له عقائدياً، تاركا أبواب صنعاء مفتوحة على مصراعيها، فما كان من موجة الاجتياح الحوثية إلا شنت عمليات اقتحام ممنهجة لمقرات الحزب ونهب منازل قياداته واختطاف كوادره، مما عكس رغبة حوثية صريحة في إنهاء دور الإصلاح كشريك سياسي واجتماعي وتغيير الهوية السياسية للشمال.
رغم توقيع الإصلاح على "اتفاق السلم والشراكة" تحت وطأة البنادق الحوثية ليلة سقوط صنعاء، إلا أن هذا التوقيع كان مناورة يائسة لتجنب حرب شوارع خاسرة، ولم يلبث الحوثيون أن تجاوزوا كل بنود الاتفاق واستمروا في تقويض مؤسسات الدولة وملاحقة كوادر الحزب، مما دفع بالأخير نحو القطيعة والارتماء في حضن التحالف العربي.
تحول الخطاب الإعلامي بين الطرفين من "رفقاء النضال ضد الديكتاتورية" إلى شيطنة متبادلة قائمة على الاستقطاب الوجودي؛ فالحوثيون دمغوا الإصلاح بـ"التكفير والتبعية للخارج"، بينما وصف الإصلاح الحوثيين بـ"السلالية والارتهان للمشروع الإيراني"، مما نقل الصراع من التنافس على السلطة إلى صدام عقائدي وجغرافي ممتد.
أثبتت وقائع ما قبل الانقلاب أن تحالفات الضرورة المفتقرة للحد الأدنى من التوافق القيمي لا يمكن أن تصمد أمام طموحات الاستحواذ العسكري، واليوم يقف الطرفان على طرفي نقيض في أطول صراع يمني، حيث دفع الإصلاح ثمن رهاناته السياسية غير الوطنية، والتي يسعى بين الحين والآخر إلى إعادة إنتاجها مع المليشيا ولو بمسافة معينة تقتضيها المصالح الحزبية قبل الوطنية أيضاً، غير مستفيد من الدرس، بينما مضى الحوثيون في مشروعهم الانقلابي الذي أعاد صياغة اليمن على أنقاض التوافقات الهشة.
ويقف اليمن أمام مفترق طرق يحتم على التحالف العربي بقيادة السعودية تغيير استراتيجيته لكبح جماح الخطر الحوثي "ذراع إيران"، عبر تجاوز القوى التي أثبتت فشلها منذ الانقلاب، وتقديم دعم حاسم للقوى الوطنية الصادقة لاستعادة الجمهورية وتحرير شمال اليمن وتأمين المنطقة.