تحليل: دبلوماسية الضرورة.. كيف تدفع "هواجس الطاقة" الصين لإطفاء حرائق الشرق الأوسط؟
كشفت مجلة "ناشونال إنترست"، أن المساعي الصينية لتحقيق قدر من الاستقرار في الشرق الأوسط، عبر إدارة التوترات وإعادة ضبط العلاقات مع الولايات المتحدة، ترتبط بدرجة أساسية باعتماد بكين على الطاقة والضغوط الاقتصادية التي تواجهها.
وأوضحت المجلة في تحليل صحفي، أن الصين انتقدت الحرب الأميركية ضد إيران، والتزمت الحياد في المفاوضات الدبلوماسية التي جرت في إسلام آباد حتى وقت قريب.
وذكر التحليل، الذي قدّمه كبير الاقتصاديين في مؤسسة "سميث للأبحاث والتصنيفات" الدكتور سكوت ماكدونالد، أنه في أوائل أبريل دخلت الصين رسمياً، وإن بصورة محدودة، في هذه المفاوضات إلى جانب أطراف معنية أخرى، من بينها السعودية وتركيا ومصر، مشيراً إلى أنه سرعان ما برز دور بكين كطرف فاعل في التوسط لهدنة لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة، وهو ما أشار إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوضوح.
ورغم أن الصين قد تفضل، من زاوية حسابات القوة، انشغال منافستها الولايات المتحدة بصراع جديد، فإن لبكين أسباباً مباشرة تدفعها إلى تفضيل استقرار الخليج.
ويرى التحليل أنه بعيداً عن التصريحات التقليدية بشأن الحوار والمفاوضات، فإن الصين بحاجة إلى استقرار في الخليج لضمان سلاسة سلاسل الإمداد، وأن استعادة قدر من الهدوء قد تساعد أيضاً على إعادة ضبط العلاقات مع الولايات المتحدة.
وأكد أن النفط يمثل ركيزة أساسية في الحسابات الجيواقتصادية الصينية، إذ يعتمد الاقتصاد الصيني بشكل كبير على النفط والغاز الطبيعي المستوردين.
الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني
وبحسب مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، استوردت الصين في عام 2025 نحو نصف احتياجاتها من النفط الخام وثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط. وتُعد السعودية وإيران والعراق المصادر الرئيسية الثلاثة للنفط بالنسبة للصين في المنطقة.
ورغم خضوع إيران لعقوبات اقتصادية أميركية مرتبطة بصادراتها النفطية، تشير تقديرات شركة "كيبلر" إلى أن الصين استوردت 1.38 مليون برميل يومياً من النفط الخام الإيراني خلال عام 2025.
وتُعد الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني، إذ تستحوذ على نحو 90 في المئة من صادراته، كما تُعد شريك إيران التجاري الرئيسي عموماً.
وشدد التحليل على أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أو تعرض منشآت النفط والغاز في الإمارات العربية المتحدة والكويت والمملكة العربية السعودية وقطر لأضرار، لا يُعد مجرد إزعاج مؤقت، بل يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الصيني.
وأشار إلى أن الصين تمتلك مخزوناً نفطياً يُقدّر بنحو 1.2 مليار برميل في أوائل يناير، أي ما يكفي لتغطية احتياجاتها لنحو أربعة أشهر، وفقاً لشركة "كيبلر". غير أن استمرار الاضطرابات في الخليج، وما قد يترتب عليها من تداعيات على الاقتصاد الصيني، قد يدفع بكين إلى مراجعة سياساتها في مجال الطاقة، بما في ذلك خفض الاعتماد على النفط والغاز الطبيعي المسال، وزيادة الاعتماد على الفحم لتوليد الكهرباء، وتسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة.
ويشير التحليل إلى خيار إضافي يتمثل في تبني سياسات ترشيد أوسع، وهو خيار أسهل تنفيذاً في ظل النظام السياسي القائم.
الصين وحساسية ملف الطاقة
وتناول التحليل حساسية الصين تجاه ملف الطاقة، مشيراً إلى أن هذه الحساسية ظهرت بوضوح خلال اجتماعات المجلس الوطني لنواب الشعب في مارس 2026.
ووفقاً لأحدث خطة خمسية تبدأ في عام 2026، تعتزم الحكومة الصينية زيادة احتياطياتها النفطية عبر إنشاء وتوسيع قواعد التخزين الوطنية.
وأشار إلى وجود بعد صيني أمريكي واضح في مشاركة بكين في محادثات السلام، موضحاً أن الصين بحاجة إلى إعادة ضبط علاقاتها مع الولايات المتحدة. ففي عام 2022 بلغت الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة 536.3 مليار دولار، لكنها تراجعت في عام 2025 إلى 309.4 مليارات دولار.
كما انخفض العجز التجاري الأمريكي مع الصين من ذروته البالغة 418 مليار دولار في عام 2018 إلى 202.1 مليار دولار في عام 2025، في ظل تأثير الرسوم الجمركية التي فُرضت خلال إدارتي بايدن وترامب.
وأوضح التحليل أن هذا الوضع زاد من تعقيد المشهد بالنسبة لبكين، إذ تُعد التجارة مع الولايات المتحدة عنصراً مهماً للنمو الاقتصادي الصيني، في حين يمكن للولايات المتحدة الاستفادة من السلع الصينية منخفضة التكلفة للتخفيف من ضغوط تكاليف المعيشة.
ويرجح التحليل أن الحكومة الصينية تفضل تعزيز صادراتها إلى الولايات المتحدة على خوض إصلاحات داخلية أكثر تعقيداً، تشمل إصلاح قطاع العقارات، وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي، ومعالجة بطالة الشباب التي بلغت 16.9 في المئة في نوفمبر 2025، إلى جانب تحرير القطاع الخاص.
ويرى أن قطاع العقارات يمثل تحدياً واسع النطاق، نظراً لارتباطه الوثيق بالقطاع المصرفي وشركات البناء والحكومات المحلية وأصحاب المنازل.
وفي هذا السياق، لا تبدو الصين في حاجة إلى أزمة طاقة طويلة الأمد أو خسارة أسواق مهمة في الشرق الأوسط.
وبينما يدرك الرئيس شي جين بينغ ضرورة معالجة هذه الملفات، فإن تعقيداتها السياسية قد ترفع مخاطر اضطرابات اجتماعية، وهو ما يسعى الحزب الشيوعي إلى تجنبه.
مخاطر ارتفاع التضخم
ولفت التحليل إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه مخاطر ارتفاع التضخم نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، واحتمالات تباطؤ النمو الاقتصادي، إلى جانب تزايد الاستقطاب الداخلي على خلفية الحرب الإيرانية.
ورغم نجاح سياسات ترامب الجمركية في تقليص العجز التجاري مع الصين وتوفير إيرادات إضافية للحكومة الأمريكية، فإن 66 في المئة من الأمريكيين يرون، وفق استطلاع أجرته مؤسسة غالوب، أن هذه الرسوم تزيد من صعوبة تحمل تكاليف السلع الأساسية، بما في ذلك الغذاء والرعاية الصحية والنقل.
ويرى التحليل أن إعادة ضبط العلاقات مع الصين قد تمنح إدارة ترامب مساحة أوسع لمواصلة خفض الاختلال التجاري، مع توفير قدر من المرونة في أسعار بعض السلع الاستهلاكية الأساسية.
وأشار إلى أن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت يقود هذه الجهود، وليس مسؤولاً في ملف الأمن القومي.
قمة مرتقبة بين شي وترامب
وأشار التحليل إلى أنه في منتصف مايو/أيار سيعقد الرئيسان شي جين بينغ ودونالد ترامب قمة تتناول ملفات شائكة، من بينها التجارة، وتايوان، والمعادن الأرضية النادرة، والتوسع الصيني في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، وهي منطقة تعدها إدارة ترامب ضمن نطاق نفوذها التقليدي.
ويتوقع كاتب التحليل أن تُطرح فنزويلا، وهي مصدر مهم آخر للنفط بالنسبة للصين، على طاولة النقاش، خصوصاً في ضوء الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو وتطور العلاقات الأمريكية الفنزويلية، بما في ذلك تصدير النفط الخام الفنزويلي إلى مصافي التكرير الأمريكية، وعمل شركات النفط الأمريكية في البلاد، ما أدى إلى تراجع موقع الصين كشريك استراتيجي لفنزويلا.
وفي ضوء ذلك، يرجح التحليل أن تكون المحادثات الصينية الأميركية في مايو 2026 أكثر سلاسة إذا لم تُلقِ الحرب الإيرانية بظلالها عليها.
واختتم بالقول إن العلاقات الصينية الأمريكية شهدت تقلبات حادة في السنوات الأخيرة، وأن تهدئة التوتر بين أكبر اقتصادين في العالم قد تعود بالنفع عليهما وعلى الاقتصاد العالمي، دون أن يعني ذلك نهاية التنافس، بل انتقاله إلى مسار أكثر انضباطاً يقوم على الحوار والتفاعل الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تمثل رغبة الصين في لعب دور بنّاء في الأزمة الإيرانية خطوة ذات أبعاد أوسع تتجاوز حدود المنطقة.