27 من أبريل يوم الحرية والتحول العظيم في اليمن
لم يكن اجتراح مسار الديمقراطية كخيار حتمي بالأمر السهل، بالنسبة لبلد يعج بالأيديولوجية والقوى القبلية والدينية والجهوية والسلاح والقات ومخلفات ماضي الامامة بكل جوانبه السلبية.
وبالعودة إلى جذور هذا الزخم الكبير والمخاض الطويل يمكن النظر بأثر رجعي لكل التراكمات والتحولات التي خاضها الشعب شمالا وجنوبا منذ ما بعد الثورتين سبتمبر واكتوبر ليصل إلى ذروة سنامه ومجده بتأسيس المجتمع المدني الذي اتسعت رقعته لتشمل كل جوانب الحياة.
يمكن القول أن أي مشروع من هذا القبيل بحاجة إلى صدق واخلاص، كما هو حال كل المشاريع الفكرية والإجتماعية التي تعني بنية المجتمعات واسسه المتينة والتي تبنى عليها خيارات المستقبل ونهضته.
هذا التحول لم يكن بالأمر اليسير شمالا وجنوباً ففي الجنوب كانت الأمور أكثر تعقيداً من الشمال وتحديدا على المستوى السياسي، والشطرين كانا خارجين من ارهاصات مليئة بالعنف والدم والفوضى والأفكار المعقدة، رغم المحاولات التي كانت تتم في بعض الجوانب إلا أنها لم تكن لتكتمل لو لا وصول البلد إلى العرس الديمقراطي الأبرز وهو الوحدة اليمنية.
وحتى نكون منصفين ونحن نتحدث في هذا الإطار فقد رأينا كيف تعامل الرئيس الراحل الزعيم علي عبدالله صالح مع مسار الديمقراطية منذ بداية صعوده إلى السلطة، أيا كانت المآخوذ من قبل بعض القوى إلا أنه استطاع بحكمته فرض واقعا مغايرا حمل كثير من بذرة التحول المدني والشورى كما استطاع تفكيك بعض المسلمات في واقع معقد ومنح القوى الحية فرصة للعمل والاجتهاد وتحقيق مستويات عالية بما يتناسب مع البنية الاجتماعية.
في الجنوب كانت هناك معظلات كبيرة تقف حائلا بين تحول النظام نتيجة الاشتراكية المغلقة على نفسها والتي كانت عائقا أكثر مما كانت مشروعا سياسيا ناظما للحياة بصورة إيجابية يتمتع بالمرونة ويتيح للناس الحركة.
وقد جاءت الوحدة لتفكك ذلك المسار، وقد ساعد سقوط القطب الاشتراكي والحرب الباردة كثيراً في تفعيل خيارات جديدة أقرب إلى البراغماتية والرأسمالية في صورتها المبسطة.
عموماً لم يكن هذا التحول في ال27 من أبريل 1993م مشهدا عابراً ولا مشروعا ضحلا كما قد يتصوره البعض بل كان خيارا شجاعاً وقرارا عظيماً فرضته إرادة سياسية جمعية، كانت تعي جيدا ماذا تريد وماذا يريد الواقع ويتطلع إليه الناس وينتظره العالم، بحكم العلاقات العابرة للحدود، لو لا نشوب الصراع لاحقاً بين الأطراف السياسية والقوى الفاعلة في المجتمع، والذي حمل طابع السلبية في التعاطي مع تلك المنجزات، ما أدى إلى تهشيم الواجهات الزجاجية واستبدالها بالفوضى التي لا نزال نتجرعها حتى هذه اللحظة.
اليوم وأنا أتابع الاحتفاء بهذا اليوم من باب أنه كان نقطة تحول إيجابي صنعه نخبة من السياسيين والقادة والشخصيات الأكاديمية والاجتماعية، لم أرى أحدا يتذكره إلا القليل، رغم أنه كان ولا زال فعلاً إيجابيا جمعيًا، يستحق أن نستلهم منه فكرة التحرر والعودة إلى مسار الديمقراطية والصندوق، كخيار لا بد منه، بدلا عن مشاريع الاصطفاء والاصطفاف وتحويل المجتمع والجغرافيا إلى كنتونات وأوعية خاصة بالأحزاب وقرارات سيادية مرتهنة لاجندات لا تخدم أبدا مشروع الوحدة الوطنية.