أجيال مفخخة وهوية مذبوحة
لم يكن أحمد مجرد رقم في سجلات المواليد بقرية يمنية نائية، بل كان ضحكة الصباح التي تفتح أبواب الأمل لوالديه الكهلين، حتى ذلك الصيف المشؤوم الذي تسلل فيه الغراب إلى عشه الدافئ.
بدأ الأمر بدعوات براقة وزوامل حماسية تملأ فضاء الحي ووعود برحلات ترفيهية وجوائز وهدايا كانت في الحقيقة طُعماً مغموساً بالسم، وُضع بعناية لاصطياد براءته العفوية في شباك تلك المراكز الصيفية التي لم تكن إلا مفارخ للموت بعباءة التعليم.
عشرون يوماً فقط كانت كافية لتبخر ملامح الطفل الذي يعرفه الجميع.
عاد أحمد إلى منزله، لكنه لم يعد هو؟
عاد بجسد يسكنه غريب وبعينين تفيضان ببرود موحش، يرمق والده الذي أفنى عمره في حقول الذرة بنظرة المُستعلي ويخاطب والدته التي كانت قبل أيام قِبلته في الحنان بكلمات الولاء والبراء والتكفير والنفور.
لقد أُلقي عقله في أتون صهرٍ أيديولوجي، جُرف فيه عبق الدين السمح، واقتُلعت منه جذور القيم اليمنية الأصيلة التي تربت على العيب وتوقير الكبير، لتزرع مكانها ملازم السيد والتعبئة التي حولت صلة الرحم إلى ولاء طائفي أعمى، وتعصب غبي نزق يرى في الأسرة عبئاً على المسيرة، وفي الوطن مجرد ساحة للتضحية.
لم تطل المأساة في فصولها النفسية، حتى انتقلت إلى الخاتمة الدامية.
وفي ليلة غاب فيها القمر غادر أحمد خلسة، تاركاً خلفه ثيابه المدرسية الممزقة، ليلحق بقطار المحرقة في جبهات القتال، مدفوعاً بوعود الشهادة الوهمية التي حُقنت بها ذاكرته الغضّة.
هناك، بين صخور الجبال الصماء، سقط أحمد ضحية لمشروع دموي لا يقتات إلا على دماء الصغار.
سقط وهو يظن أنه يفتح القدس، بينما كان في الحقيقة يُغلق باب الأمل الأخير في وجه أسرته المكلومة.
اليوم، لم يتبق لليمن من أحمد إلا فجيعتان: صورة صغيرة منسية في ركن المنزل البارد، تبللها دموع أمه كلما مر طيفه، وصورة أخرى ضخمة، باهتة الألوان، علّقتها المليشيا في مدخل زقاق إحدى الحارات بالمدينة، مُؤطرة بشعارات الموت، كشاهد صامت على جريمة اغتيال الطفولة.
رحل أحمد وبقي الإطار، وبقيت معه غصة في حلق الوطن، تحذر كل أب وأم من أن المراكز الصيفية الحوثية ليست إلا المقصلة التي تُذبح عليها زهورنا لتُعلق فوق جدران الفناء.