27 أبريل.. محطة مفصلية في مسار الديمقراطية في اليمن
يتشكّل التاريخ من محطات فاصلة تظل حاضرة في وعي الشعوب، لأنها تعيد تعريف المسار العام وتفتح آفاقًا للتغيير. وفي اليمن، يبرز يوم 27 أبريل كإحدى أبرز هذه المحطات، بوصفه نقطة تحوّل في مسار التجربة الديمقراطية، حيث شهدت البلاد أول انتخابات برلمانية تعددية عقب قيام الجمهورية عام 1990، عكست قدرًا من الانفتاح والتوازن السياسي.
وقبل ذلك، مثّل تأسيس المؤتمر الشعبي العام عام 1982 محطة تمهيدية مهمة، بوصفه إطارًا جامعًا استوعب مختلف القوى والتيارات، وأسهم في ترسيخ فكرة الشراكة السياسية وإدارة التنوع، بما ساعد—إلى جانب عوامل أخرى—في تهيئة المناخ لتحقيق الوحدة اليمنية عام 1990.
لقد أسهمت مرحلة ما بعد الوحدة في ترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة، وتوسيع المشاركة الشعبية، وتعزّزت بانتخابات دورية، وانتخاب المجالس المحلية، في تجربة كانت قابلة للتطوير والبناء. غير أنها تعرّضت لاحقًا للاهتزاز بفعل الخلافات والصراعات السياسية، وصولًا إلى أحداث عام 2011 وما تلاها من انهيار أدخل البلاد في دوامة من الصراع والتراجع.
واليوم، لا ينبغي الاكتفاء باستحضار تلك التجربة، بقدر ما تبرز الحاجة إلى قراءة واقعية تُستخلص منها الدروس والعبر، مع الاعتراف بمسؤولية مختلف الأطراف عمّا آلت إليه الأوضاع، نتيجة غياب التوافق وتغليب الشعارات على الرؤى الجامعة. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التجربة الديمقراطية السابقة كمرحلة تأسيسية قابلة للتصحيح والتطوير والبناء عليها، وليس باعتبارها حالة مكتملة أو فاشلة بالمطلق؛ إذ إن معايير تقييم السياسات تظل نسبية ومرتبطة بظروفها وسياقاتها.
إن التحدي لا يقتصر على كيفية استعادة الدولة، في ظل تباين الرؤى بين المسارات السياسية وغيرها، بل يكمن أساسًا في تنظيم هيكلية السلطة ومنع احتكارها. وهنا تبرز الديمقراطية بوصفها الإطار الأجدر باحتواء المؤسسات، ومعالجة إشكالية الاستيلاء على السلطة بالقوة أو حصرها بيد فئة أو جماعة، مهما كانت منطلقاتها السياسية أو المذهبية أو المناطقية. فالممارسة الديمقراطية، ومن أبرز مخرجاتها الانتخابات، تُعد رافدًا للتنمية السياسية وبناء مؤسسات الدولة، باعتبارها نتاج تجربة تاريخية في إدارة التنافس بشكل سلمي.
ورغم ما يُثار حول صعوبة تطبيقها في ظل واقع غير مستقر، فإن غياب الديمقراطية هو الأسوأ، لأنه يفتح الباب لتكرار الصراعات. فالديمقراطية، ببعدها الوطني الواسع، تمثل رافعة لبلد أنهكته الحروب والنزاعات، وصمّام أمان يحمي الحاضر والمستقبل، ويُرسّخ الاستقرار السياسي، ويمنع عودة الاستبداد أو احتكار السلطة. وهي بذلك ليست ترفًا مؤجلًا، بل ضرورة لضبط الفوضى والحد منها؛ إذ لا شيء أسوأ من غيابها.
وانطلاقًا من ذلك، فإن أي مشروع وطني جاد ينبغي أن يتجاوز منطق حسم الصراع، ويتجه نحو بناء قواعد حكم توافقي تضمن الشراكة، وتمنع إعادة إنتاج الأزمات، عبر مسار تدريجي يراعي الواقع ويؤسس لدولة قابلة للحياة والاستمرار.
إن إنقاذ اليمن يبدأ بإرادة صادقة تُقدّم المصلحة الوطنية على المصالح الفئوية أو الشخصية، من خلال الانخراط في حوار جاد ومسؤول يفضي إلى شراكة حقيقية، لا إلى شعارات فضفاضة. فالوطن أكبر من الجميع، ومستقبله مرهون بقدرة أبنائه على التوافق لا التنازع.
نحن في مرحلة لم يعد فيها ترف الوقت متاحًا، ولا مجال للانتظار أو التفرّج. فالإرادة الوطنية، المقترنة برؤية واضحة، هي الدافع الحقيقي للانطلاق نحو بناء الدولة، وترسيخ الديمقراطية، وتعزيز المشاركة، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد والخدمات، وصون السيادة.
لقد مثّلت التجربة الديمقراطية في اليمن—برغم ما شابها—محاولة مهمة لتأسيس نموذج سياسي قائم على التعددية ونبذ العنف، وترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة بعد غياب طويل. وهذا بحد ذاته يُعد منجزًا تاريخيًا مهمًا في سياقه، يمكن البناء عليه وتطويره بما يتناسب مع متغيرات الحاضر وتحدياته.
وكما وصف ونستون تشرشل الديمقراطية بأنها ليست النظام الأفضل، لكنها أفضل من غيابها، فقد أشار الرئيس الراحل علي عبدالله صالح إلى المعنى ذاته بقوله: «عصر الديمقراطية لا مفر منه، والأسوأ غيابها».
فلنعمل معًا من أجل ترسيخ مسار ديمقراطي يليق بتاريخ اليمن وشموخه.