الإصلاح والحوثي... تقاطعات أسقطت الدولة

بينما كان اليمن يلملم جراحه جراء طعنات الخيانات وعبث موجة الانهيار العربي 2011 ويبحث عن أفق للحفاظ على الدولة المدنية، كان هناك خلف الستار من يحيك كفناً للمؤسسات بدم بارد.

 ليس غريباً في السياسة أن تتبدل التحالفات، لكن الغريب – والمؤلم وطنياً – هو أن تُساق الدولة كقربان في معبد الصراعات الحزبية الضيقة. 

واليوم ونحن نقرأ فصول المأساة اليمنية بوعي من لدغته الأيام، نجد أن حزب الإصلاح (ذراع الإخوان المسلمين) قد مارس دور المُهندس الجيني لخراب المؤسسات والثقب الأسود في ذاكرة الجمهورية عبر سلسلة من الانعطافات التاريخية التي لا تغتفر.

بداية من صعدة إلى عمران.. ولؤمُ المظلومية المفتعلة

بدأت فصول التآمر حين قرر حزب الإصلاح أن يلعب بنار مظلومية صعدة. ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تخوض حروبها الست للحفاظ على السيادة، كانت ماكينة الإخوان الإعلامية والسياسية تقدم الغطاء للحوثيين تحت لافتات حقوقية وإنسانية مريبة.

 لم تكن تلك إنسانية بل كانت انتهازية سياسية تهدف لإضعاف مؤسسة الجيش وإنهاك الخصوم السياسيين، متناسين أن من يربي الأفاعي في حديقته لن ينجو من سمومها.

تلك الشراكة تجلت في أبشع صورها حين صمتت أصوات الوطنية الزائفة أمام زحف المليشيات.

 ومن ينسى تصريحات القيادي حميد الأحمر التي باركت – بشكل مبطن وصريح – تمدد الحوثي نكايةً بخصومه، معتقداً أن الذئب الطائفي سيكتفي بتمزيق فريسة واحدة ويترك له البقية.

كما تظل لحظة سقوط محافظة عمران نقطة سوداء في تاريخ حزب الإصلاح والشرعية التي ارتهنت لقراره. 

حينها، خُدع الشعب اليمني بتصريحات عبده ربه هادي بأن عمران عادت لحضن الدولة بينما الحقيقة أن حضن الدولة كان قد تحول إلى زنزانة حوثية بتواطؤ إصلاحي فج.

 لقد كان تسليم اللواء 310 واستشهاد القائد القشيبي ليس مجرد انكسار عسكري بل كان بصمة أخيرة على عقد تسليم العاصمة صنعاء، في مشهد جسد ذروة التنسيق السري بين الإخوة الأعداء (الإصلاح والحوثي) لهدم أركان الجمهورية.

ولم يتوقف العبث عند سقوط العاصمة صنعاء بل امتد لسنوات الحرب الدامية.

 ففي جبهة "نهم"  التي وُصفت بأنها بوابة النصر رأينا فصولاً من الاستنزاف الممنهج للتحالف العربي ولتطلعات الشعب. هناك، تحولت الجبهات إلى عقارات سياسية وتجارة رابحة. 

وحين دقت ساعة الحقيقة، سُلمت نهم والجوف في عمليات انسحاب تكتيكية مثيرة للريبة، لتكشف للعالم أن القرار العسكري للإصلاح كان دوماً مرتهناً لحسابات البقاء الحزبي، لا لانتصار الجمهورية.

إن ممارسات حزب الإصلاح لم تكن يوماً أخطاءً تقديرية، بل كانت منهجية تدميرية تقوم على مبدأ أنا أو الفوضى. 

لقد خانوا أمانة الجمهورية حين تحالفوا مع الإمامة تحت الطاولة، وخانوا مؤسسات الدولة حين استبدلوا الكفاءة بالولاء الحزبي، وخانوا تضحيات الأبطال في الجبهات حين جعلوا من الدم اليمني ورقة تفاوض لتحسين شروط بقائهم في السلطة.

إن التاريخ لا يرحم، واليمن اليوم بوعيه الشعبي المتصاعد، يدرك تماماً أن الخلاص لن يكتمل إلا بكشف هذه الأقنعة.

 فالجمهورية لا تُبنى بمن يضع قدماً في خندق الشرعية وقدماً أخرى في دهاليز التفاهم مع المليشيات. 

لقد آن الأوان لتستعيد الدولة قرارها السيادي بعيداً عن ارتهانات الجماعة التي أثبتت التجربة أنها تفضل التمكين الحزبي ولو على أنقاض الوطن.