تقرير لـ"نيويورك تايمز": إيران لا تزال تحتفظ بقدرات صاروخية خطيرة رغم الضربات المكثفة
في وقتٍ يؤكد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة نجحت فعلياً في تحييد القدرات العسكرية الإيرانية، مقدّماً طهران بوصفها خصماً ضعيفاً، تشير معطيات ميدانية وعسكرية إلى صورة أكثر تعقيداً.
فبينما يعلن الجيش الأمريكي أن وتيرة الهجمات الإيرانية تراجعت بنحو 90% مقارنة بالأيام الأولى للحرب، ويؤكد الجيش الإسرائيلي تعطيل نحو 70% من مئات منصات إطلاق الصواريخ، تكشف التطورات الأخيرة أن إيران لا تزال تحتفظ بقدرات كافية لزعزعة استقرار المنطقة وإلحاق خسائر ملموسة بخصومها، ما يعكس استمرار انخراطها الفعلي في المعركة خلافًا للتصريحات الأمريكية.
وبحسب تحليل (ترجمته إلى العربية وكالة خبر) أعدّه الصحفيون نيكولاس كوليش وجون إسماي وهيلين كوبر، ونشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن الواقع الميداني داخل إسرائيل يعكس استمرار التهديد، إذ يهرع ملايين الإسرائيليين بشكل يومي إلى الملاجئ مع تواصل دوي صفارات الإنذار والانفجارات.
ووفقاً لخدمات الطوارئ الإسرائيلية، أُصيب سبعة أشخاص في وسط إسرائيل نتيجة وابل صاروخي، فيما أظهرت تسجيلات مراقبة لحظات فرار مدنيين قبل انفجار مركبة قريبة منهم.
كما قُتل رجل في تل أبيب إثر سقوط قنبلة صغيرة من صاروخ مزوّد برأس حربي عنقودي.
ولا تقتصر الأضرار على الضربات المباشرة، إذ تسببت شظايا صواريخ تم اعتراضها في مقتل شخصين في أبوظبي، ما يبرز خطورة التهديد حتى في حالات نجاح أنظمة الدفاع الجوي.
معلومات استخباراتية محدودة
وفقاً للصحيفة، يرى محللون أن الحملة العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية القيادية والعسكرية الإيرانية.
ويؤكد فرزين نديمي، الباحث في الشؤون الأمنية، أن الضربات نجحت في استهداف قيادات ومنشآت عسكرية، إضافة إلى تقويض شبه كامل للقوات الجوية والبحرية الإيرانية.
ومع ذلك، يشدد نديمي على أن معيار النجاح الحقيقي لا يُقاس بهذه الخسائر، بل بقدرة إيران على مواصلة إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وهي قدرة لا تزال قائمة حتى الآن.
ويعزز هذا التقدير مسؤول أمريكي أشار إلى أن إيران ما تزال تمتلك آلاف الطائرات المسيّرة من طراز "شاهد"، إلى جانب مئات الصواريخ الباليستية، رغم الضربات المكثفة خلال الأسابيع الماضية، مع الإقرار بصعوبة التحقق الدقيق بسبب محدودية المعلومات الاستخباراتية.
وتتسم التصريحات الأمريكية الرسمية بالحذر؛ إذ أوضح قائد القيادة المركزية الأمريكية أن انخفاض وتيرة الهجمات لا يعني بالضرورة تدمير النسبة ذاتها من القدرات الإيرانية، بل يعكس تراجعًا في الاستخدام.
إعادة التموضع الإيراني
من جهتها، ترى الباحثة كيلي غريكو أن التركيز على عدد الضربات قد يكون مضللاً، مشيرة إلى أن تحليل البيانات المفتوحة يظهر ارتفاعاً في دقة الإصابات الإيرانية مع مرور الوقت، حيث تضاعفت معدلات النجاح منذ العاشر من مارس.
وتضيف أن هذا التطور يعكس تكيفاً واضحاً في أداء إيران، ما ينفي فرضية كونها خصماً مهزوماً، ويشير بدلاً من ذلك إلى خصم يتعلم ويعيد ضبط تكتيكاته لتحقيق أهدافه الاستراتيجية.
وذكر التحليل، أن الباحثة حذرت من الخلط بين انخفاض وتيرة الهجمات وتراجع القدرات، معتبرة أن إيران ربما خفّضت عملياتها لإعادة التموضع ودمج معلومات استخباراتية جديدة في عمليات الاستهداف.
ورغم الحديث عن تراجع النشاط، لم تظهر الضربات الإيرانية مؤشرات على الانحسار، إذ تسببت هجمات حديثة بأضرار في الخليج، شملت تعطيل رادار في مطار الكويت وإصابة عامل، إضافة إلى أضرار في منشأة مرفئية في سلطنة عمان.
وتشير مؤشرات إلى احتمال تصعيد إضافي عبر حلفاء إيران، بما في ذلك تحركات الحوثيين نحو توسيع نطاق الهجمات.
وفي إسرائيل، ورغم نجاح الدفاعات الجوية في اعتراض غالبية الصواريخ، تمكنت إيران من تحقيق اختراقات رمزية، أبرزها سقوط صاروخ قرب مدينة ديمونا الحساسة، ما أسفر عن إصابة العشرات، وأثار قلقًا واسعًا نظرًا لقرب الموقع من منشآت نووية استراتيجية.
واستخدمت إيران صواريخ برؤوس عنقودية تستهدف مناطق سكنية، حيث تنفجر في الجو وتطلق عشرات القنابل الصغيرة، ما يزيد من صعوبة اعتراضها ويعزز تأثيرها النفسي.
أنظمة متقدمة
ويرى خبراء أن أفضل وسيلة للتعامل مع هذه التهديدات هي اعتراضها خارج الغلاف الجوي باستخدام أنظمة متقدمة مثل "آرو 3"، رغم كلفتها العالية ومحدودية توفرها، في حين تواجه الأنظمة الأقل تطوراً صعوبات في التصدي لهذه التهديدات قبل انفصال رؤوسها الحربية.
وتشير التطورات الحالية إلى تعافٍ سريع للقدرات الإيرانية بعد جولة القتال التي استمرت 12 يوماً في يونيو الماضي، والتي أعلنت إسرائيل في أعقابها تحقيق "نصر تاريخي" وتدمير قدرات إيران الصاروخية.
غير أن محللين يرون أن التقديرات الإسرائيلية ربما أخفقت في تقدير سرعة إعادة بناء هذه القدرات، حيث استغلت طهران فترة الهدوء لإعادة تنظيم صفوفها والاستعداد لجولة جديدة من المواجهة.
وفي هذا السياق، تؤكد ضابطة إسرائيلية متقاعدة أن الطرفين استثمرا الأشهر الماضية في التخطيط، مشيرة إلى أن تراجع القدرات الإيرانية يظل محدوداً بطبيعة زمن العمليات العسكرية القصير.
ويخلص التحليل إلى أن إيران، رغم الضربات المكثفة، لا تزال قادرة على إطلاق ما بين 20 إلى 30 صاروخاً يومياً، ما يشير إلى استمرار وصولها إلى منشآت تحت الأرض أو "مدن صاروخية" يصعب استهدافها.
كما لا يُستبعد امتلاكها مواقع إطلاق سرية لم تُكتشف بعد، وإن كان هذا الاحتمال أقل ترجيحاً وفق بعض التقديرات.
ويتفق محللون دوليون على أن انخفاض عدد الهجمات لا يعكس بالضرورة تراجع التأثير، إذ ارتفعت معدلات اختراق الدفاعات، مع استهداف مواقع أكثر حساسية، بما في ذلك قواعد بعيدة المدى.
وأشار التحليل إلى أن إيران لم تعد بحاجة إلى إطلاق مئات الصواريخ يومياً لتحقيق أهدافها، إذ قد يكون عدد محدود من الضربات الدقيقة كافياً لإحداث التأثير الاستراتيجي المطلوب، عبر ترسيخ حالة عدم الاستقرار وإرباك الخصوم.