"أخطبوط في الحديقة الخلفية".. كيف دمجت إيران الإرهاب بالجريمة المنظمة في الأمريكتين؟
كشف تقرير تحليلي حديث، أن إيران تعمل على ترسيخ شبكة نفوذ معقدة في نصف الكرة الغربي، تجمع بين التهريب وغسل الأموال والخدمات اللوجستية العابرة للحدود، في نموذج متكامل يتجاوز التصنيفات التقليدية التي تعتمدها الولايات المتحدة في التعامل مع التهديدات.
وبحسب التقرير، الذي نشره منتدى الشرق الأوسط، فإن هذا النهج لا يفصل بين قضايا مثل المخدرات والإرهاب والهجرة، بل يدمجها ضمن منظومة واحدة تتيح لإيران وحلفائها توسيع نفوذهم بمرونة عالية، مستفيدين من ثغرات الأنظمة الرقابية وتعدد الاختصاصات داخل المؤسسات الأمريكية.
وأشار التقرير، الذي أعده الباحث الأمريكي- الإسرائيلي المتخصص في عقيدة الأمن في الشرق الأوسط والاستراتيجية الإقليمية "خوسيه ليف ألفاريز غوميز"، إلى أن حزب الله لعب دوراً محورياً في بناء هذه الشبكة، خصوصاً في منطقة الحدود الثلاثية بين الأرجنتين والبرازيل وباراغواي، حيث تداخلت أنشطة التجارة غير المشروعة مع عمليات غسل الأموال، ما أوجد مصادر تمويل مستدامة.
وبرز اسم أسعد أحمد بركات، الذي خضع لعقوبات أمريكية وأوقف لاحقاً في باراغواي، كأحد أبرز الفاعلين في إدارة شبكات مالية معقدة استخدمت شركات وهمية وعمليات ابتزاز لتمويل أنشطة مرتبطة بالحزب.
وخلال العقدين الماضيين، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أكثر من مئة شخص وكيان على صلة بهذه الشبكات في عدد من دول أمريكا اللاتينية.
اقتصاد المخدرات
وأكد التقرير أن أمريكا اللاتينية تشهد مرور أكثر من ألفي طن من الكوكايين سنوياً، وهو ما يوفر مورداً مالياً ضخماً يمكن توظيفه في تمويل أنشطة غير مشروعة.
وفي إحدى الحالات التي أعلنتها السلطات الأمريكية في سبتمبر 2023، تم ضبط شحنة كوكايين تزن نحو 500 كيلوغرام، مرتبطة بعناصر على صلة بحزب الله، بقيمة تقدر بنحو 15 مليون دولار، كانت مخبأة داخل شحنات فاكهة.
وأظهرت التحقيقات أن نسبة كبيرة من الأرباح كانت تعود إلى الحزب.
كما يشير التقرير إلى أن معظم الكوكايين الذي يدخل الولايات المتحدة يمر عبر الحدود الجنوبية، ما يعزز أهمية مسارات التهريب في دعم هذه الشبكات.
محاولات اختراق
ويعيد التقرير التذكير بمحاولة عام 2011، التي سعت خلالها جهات مرتبطة بإيران إلى تنفيذ عملية اغتيال داخل الولايات المتحدة عبر وسطاء يعتقد أنهم على صلة بعصابات إجرامية، في مؤشر على استعداد طهران لاستخدام شبكات الجريمة المنظمة لتحقيق أهداف أمنية.
كما وثّقت السلطات الأمريكية حالات لأشخاص عبروا الحدود بطرق غير شرعية، واشتبه بارتباطهم بتدريبات أو أنشطة ذات صلة بحزب الله، في وقت نظرت فيه محاكم أمريكية قضايا تتعلق بعناصر متهمة بتنفيذ عمليات مراقبة داخل البلاد.
وأشار التقرير أيضاً إلى أن هذه الشبكات لا تقتصر على أمريكا اللاتينية، بل تمتد إلى أمريكا الشمالية، حيث توفر بعض المسارات في المكسيك تسهيلات للعبور، فيما تُستخدم قنوات مالية وتجارية في كندا كغطاء لتحويل الأموال وإخفاء الأنشطة.
ويحذر التقرير من أن هذا النشاط لم يعد محصوراً في الإطار السري، بل بدأ يأخذ طابعاً أكثر وضوحاً على المستوى العسكري.
ففي ديسمبر 2025، أكدت وزارة الخزانة الأمريكية وجود تعاون بين إيران وفنزويلا في تطوير طائرات مسيّرة منذ سنوات، من بينها طائرات قادرة على التحليق لساعات طويلة وحمل ذخائر موجهة، وقد تم عرضها علناً في مناسبات رسمية.
تدفقات تجارية ومالية هائلة
ويأتي ذلك في سياق تدفقات تجارية ومالية هائلة في نصف الكرة الغربي، إذ يبلغ حجم التجارة بين الولايات المتحدة ودول المنطقة نحو تريليوني دولار سنوياً، إضافة إلى تحويلات مالية بمليارات الدولارات، ومعالجة عشرات الملايين من حاويات الشحن.
ويرى التقرير أن هذا الحجم الضخم يوفر غطاءً مثالياً لإخفاء الأنشطة غير المشروعة دون الحاجة إلى السيطرة المباشرة عليها.
وينتقد التقرير ما وصفها بـ"التجزئة البيروقراطية" في السياسة الأمريكية، حيث يتم التعامل مع قضايا المخدرات والإرهاب وأمن الحدود بشكل منفصل، رغم ترابطها على أرض الواقع.
ويخلص إلى أن هذا النهج يقلل من فاعلية المواجهة، في ظل اعتماد الخصوم على نموذج تكاملي يجمع بين الأدوات الإجرامية والأمنية والاقتصادية.
ودعا التقرير إلى تبني مقاربة أكثر صرامة، تشمل تصنيف الشبكات التي تسهل تمويل أو دعم حزب الله ضمن الكيانات الإرهابية، وفرض عقوبات أوسع على الوسطاء الماليين والتجاريين، إضافة إلى ربط التعاون الأمني مع الدول بنتائج ملموسة في مكافحة تمويل الإرهاب.
ويؤكد أن مواجهة هذا النمط من التهديدات تتطلب استراتيجية شاملة تستهدف الشبكات ككيان واحد، بدلاً من التعامل مع مظاهرها بشكل منفصل.