محللون عسكريون: استمرار الهجمات الإيرانية على المنشآت الحيوية الخليجية قد يفضي إلى رد عسكري مدعوم بغطاء قانوني دولي

تتسارع وتيرة التصعيد في منطقة الخليج، مع تعرض منشآت خدمية وحيوية في كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت لهجمات إيرانية بطائرات مسيّرة وصواريخ، في تطورات تنذر باتساع رقعة المواجهة وتحولها إلى صراع إقليمي مفتوح تتداخل فيه حسابات الطاقة والأمن الدولي.

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر مقرّب من الحكومة السعودية أن الرياض قد ترد عسكرياً في حال ثبوت تنفيذ إيران هجوماً "منسقاً" على بنيتها التحتية النفطية، وذلك عقب توقف العمل مؤقتاً في بعض مرافق مصفاة رأس تنورة بعد استهدافها بمسيّرتين. 

كما أُبلغ عن أضرار محدودة طالت منشآت مدنية في دبي، بينها مبنى سكني، إضافة إلى تعطل جزئي في حركة الطيران بعدة مطارات خليجية، ما تسبب في خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة.

وأعلنت وزارة الدفاع السعودية أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صواريخ استهدفت قاعدة الأمير سلطان الجوية قرب الرياض، مؤكدة تدمير مسيّرتين حاولتا مهاجمة مصفاة رأس تنورة صباح الاثنين.

وأوضح متحدث رسمي أن شظايا سقطت قرب أعيان مدنية وأدت إلى اندلاع حريق محدود تمت السيطرة عليه دون تسجيل إصابات.

ويأتي ذلك في ظل اتهامات متكررة لطهران بتوسيع نطاق المواجهة عبر استهداف بنى تحتية مدنية في دول مجلس التعاون الخليجي رغم أنها أكدت منذ بداية التصعيد أنها ليست طرفاً في النزاع. 

خيارات الرد الخليجي

قال محللون وخبراء عسكريون لوكالة "خبر" في تعليق على التطورات الأخيرة، إن ضرب المنشآت الخدمية والنفطية في الخليج يشكل محاولة لتحويل مسار المواجهة بعيداً عن الساحة المباشرة بين طهران وواشنطن، ونقل كلفتها إلى اقتصادات تعتمد على الاستقرار الإقليمي وتدفق الطاقة.

وتتهم دول خليجية إيران منذ سنوات بتبني استراتيجية تقوم على توظيف أذرع عسكرية غير نظامية في المنطقة، من بينها الحرس الثوري الإيراني، لدعم جماعات مسلحة في عدد من الدول العربية، ما أسهم في تأجيج نزاعات ممتدة في اليمن وسوريا والعراق ولبنان. 

وتقول هذه الدول إن استهداف البنية التحتية للطاقة والمطارات يدخل ضمن سياسة "حافة الهاوية" التي تهدف إلى فرض وقائع ميدانية جديدة والضغط عبر سلاح الاقتصاد والطاقة، وهو ما يضع دول الخليج تدرس بجدية خيارات وطبيعة الرد على ذلك التهديد.

من جانبها تقول طهران إن هجماتها على دول الخليج تستهدف قواعد عسكرية أمريكية وأماكن تجمع لقيادات وقوات تابعة لواشنطن. لكن هذه التصريحات تتناقض مع طبيعة الهجمات التي وثقتها الكاميرات، والتي استهدفت منشآت خدمية ومدنية. 

هذا التناقض يزيد من مخاوف انفجار الوضع عسكرياً بين الطرفين، خاصة بعد إعلان الدول الخليجية حالة استنفار عسكري ورفع جاهزية قواتها القتالية، في تحسب لحظة مفصلية قد تجد نفسها مُجبرة على الرد، وهذا حق قانوني بحسب رأي المحللين والخبراء.

استهداف خطوط النفط

وتصاعدت حدة الخطاب الإيراني أخيراً، بعدما نقلت وسائل إعلام رسمية في وقت متأخر من مساء الاثنين، عن مستشار في الحرس الثوري الإيراني تهديده باستهداف خطوط النفط المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل، بعد أن سبق وأعلنت طهران عن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

ويشكِّل أي تعطيل للمضيق تهديداً مباشراً للأسواق العالمية، في ظل هشاشة سلاسل الإمداد وارتباط أسعار الطاقة بالأمن البحري في الخليج.

خيارات دبلوماسية وقضائية

وبينما سبق أن أكدت دول مجلس التعاون الخليجي مراراً أنها ليست طرفاً في النزاع، ودعت إلى تجنيب المنطقة مزيداً من التصعيد. لكن هناك أكاديميين خليجيين ينظرون إلى طبيعة الرد على التصعيد الإيراني من زوايا قانونية أخرى، أقل كلفة من الرد العسكري، تهدف إلى إغراق طهران في كلفة التعويضات.

وقال أستاذ القانون الدولي في الجامعة الأمريكية في الإمارات، الدكتور عامر فاخوري، في تصريحات نقلها موقع سكاي نيوز عربية، إن استهداف المطارات والمنشآت المدنية "لا يحقق ميزة عسكرية ويخالف قواعد القانون الدولي الإنساني"، مشيراً إلى أن أمام الدول المتضررة خيارات دبلوماسية وقضائية، بينها اللجوء إلى المحاكم الدولية والمطالبة بالتعويض.

وحذر فاخوري من أن توسيع دائرة الاستهداف ليشمل ممرات مائية دولية سيضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي، نظراً للطبيعة القانونية الخاصة للمضائق الدولية وحرية الملاحة فيها. 

وأضاف أن أي مساس بحرية العبور في مضيق هرمز قد يستدعي تحركات دولية أوسع لحماية خطوط التجارة والطاقة.

الحسابات القانونية محدودة الفائدة

على الصعيد نفسه، قال الخبير القانوني نبيل محمد لوكالة "خبر"، إن الحسابات القانونية أثناء الصراعات المحصورة بين دولة وأخرى تكون مثمرة في الحروب التي تحسم سريعاً، مثل غزو العراق للكويت والحرب الروسية الأوكرانية. لكنه يرى أن الحرب الإيرانية الأمريكية مختلفة، حيث تعود قضاياها إلى جذور متشعبة وعميقة أبرزها الصراع على النفوذ في المنطقة، مما يحد من فائدة الحسابات القانونية بشكل سريع في هذا السياق.

وأضاف الخبير القانوني، الدكتور في القانون الدولي، أن مجلس الأمن، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، هو من يختص بتقرير ما إذا كانت أفعال "الشراكة" (مثل إرسال قوات، أو سماح باستخدام الأراضي) ترقى إلى مستوى العدوان.

وأوضح أن الدولة التي تنتهك هذه القواعد تتحمل مسؤولية دولية، بما في ذلك التوقف الفوري عن الأعمال العدائية وتقديم تعويضات كاملة عن الأضرار المادية والمعنوية. ومع ذلك، يرى أن هذا قد لا يسعف دول الخليج والاقليم في ظل استمرار استهداف المنشآت الحيوية.

ورجح الخبير أن تسارع دول الخليج إلى اللجوء للمحاكم الدولية ومجلس الأمن بشكل عاجل، لتنتقل مسؤولية حماية خطوط النفط إلى شركاء دوليين. 

وأشار إلى أن المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن الدفاع عن النفس -الذي تزعمه طهران- لا يكون إلا في حال وقوع هجوم مسلح فعلي ومباشر، مع ضرورة إبلاغ مجلس الأمن فوراً.

وبينما تتبادل الأطراف الاتهامات، تتزايد المخاوف من أن يؤدي خطأ في الحسابات أو هجوم واسع النطاق إلى إشعال حرب إقليمية تتجاوز حدود المواجهة الحالية، وتلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي برمته.