خطاب باهت في لحظة ساخنة.. قراءة في تموضع الحوثيين بعد المتغيرات الإقليمية
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، زعيم مليشيات الحوثي خرج عبدالملك الحوثي بخطابٍ انتظره أنصاره وخصومه على حد سواء، وسط توقعات بأن يحمل مواقف حاسمة تتناسب مع سخونة التطورات وتسارعها.
غير أن مضمون الخطاب، وفق قراءة أولية للمشهد، بدا أقل حدة مما كان متوقعاً، وأقرب إلى محاولة امتصاص اللحظة منه إلى إعلان تموضع استراتيجي واضح.
الخطاب الذي جاء بعد تصاعد التوترات المرتبطة بـإيران، لم يتضمن إعلاناً صريحاً عن دعم عسكري مباشر أو انخراط عملي في أي مواجهة محتملة، واكتفى بلغة عامة تتحدث عن التضامن الكامل والوقوف إلى جانب النظام الإيراني، دون تحديد أدوات هذا الوقوف أو سقفه الزمني والسياسي.
هذا التحول في النبرة، مقارنة بخطابات سابقة اتسمت بالتصعيد اللفظي ورفع سقف التهديد، يفتح الباب أمام تساؤلات حول قدرة المليشيا على ترجمة خطابها إلى التزامات ميدانية في ظل تعقيدات داخلية وإقليمية متشابكة.
من التصعيد إلى التلميح
في اللحظات المفصلية، تميل الحركات الأيديولوجية إلى استثمار الخطاب لإظهار الجاهزية والقدرة على المبادرة. إلا أن خطاب الحوثي الأخير خلا من أي إعلان تعبوي عسكري مباشر، ولم يتضمن إشارات عملياتية أو رسائل ردع واضحة.
اللغة المستخدمة بدت حذرة، تميل إلى العموميات، وتتجنب تحديد طبيعة الدعم أو حدوده. فالتضامن ظل في إطار معنوي وسياسي، دون أن يتحول إلى إعلان التزام قتالي أو تحالف دفاعي صريح.
هذه الصيغة تعكس –بحسب مراقبين– إدراكاً لحساسية المرحلة، ومحاولة لتجنب وضع الحوثيين في مواجهة مباشرة قد تفتح عليهم جبهات قوية متعددة، في وقت تعاني فيه مناطق سيطرة مليشيا الحوثي من أزمات اقتصادية ومعيشية متفاقمة، واحتقان وغليان وتململ شعبي داخلي يتسع نطاقه.
تركيز لافت على الحشد الشعبي
اللافت في الخطاب كان تركيزه المكثف على الدعوة إلى تنظيم وقفات وتظاهرات تضامنية في صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة لسيطرة المليشيات. هذه الدعوة بدت المحور العملي الأبرز في الخطاب، متقدمة على أي حديث عن تحركات عسكرية أو إجراءات ميدانية.
قراءة هذا التوجه تشير إلى أن مليشيات الحوثي الإرهابية اختارت إدارة اللحظة عبر أدوات الحشد الداخلي، في محاولة لإظهار تماسك القاعدة الشعبية وإعادة إنتاج مشهد الولاء في الشارع، أكثر من سعيها إلى إعلان انخراط فعلي في صراع إقليمي مفتوح.
الوقفات التضامنية، في هذا السياق، تؤدي وظيفة مزدوجة: إرسال رسالة سياسية رمزية للخارج، وفي الوقت نفسه إعادة ضبط المشهد الداخلي عبر تعبئة الأنصار وتوجيه بوصلة الاهتمام نحو الخارج، بعيداً عن الأزمات اليومية التي تثقل كاهل المواطنين.
حسابات معقدة بين الخطاب والواقع
التحفظ في الخطاب قد يعكس حسابات دقيقة تتعلق بميزان القوى الإقليمي، وإدراكاً بأن أي انخراط مباشر سيضع مليشيا الحوثي أمام اختبار عسكري وسياسي مكلف.
كما أن المشهد اليمني الداخلي، المنهك اقتصادياً وخدمياً، لا يحتمل –وفق تقديرات عدة– فتح مسارات تصعيد جديدة قد تزيد من عزلة المليشيات وضربها في العمق أو تعقّد مسارات التهدئة الهشة.
وفي الوقت الذي راهن فيه البعض على أن مليشيات الحوثي ستسارع إلى إعلان اصطفاف عسكري صريح، ومباشر جاء الخطاب ليؤكد أن هامش المليشيا ليس مطلقًا، وأن حسابات البقاء الداخلي باتت تتقدم على شعارات المواجهة الإقليمية المفتوحة.
دلالات البهوت في لحظة التصعيد
في السياسة، لا تُقاس قوة الخطاب بحدة مفرداته فقط، بل بمدى قدرته على ترجمة المواقف إلى التزامات واضحة.
وعندما يأتي خطاب في لحظة تصعيد إقليمي كبرى بلا تعهدات محددة أو خطوات عملية، فإن ذلك يُقرأ بوصفه مؤشراً على ضعف وحدودية الخيارات، أو رغبة في كسب الوقت ولحظة رد النَفَس.
الخطاب الأخير لعبدالملك الحوثي، في هذا الإطار، بدا أقرب إلى خطاب احتواء وتكيّف، منه إلى خطاب تحدٍ ومبادرة.
فبين التلميح إلى الدعم، والتركيز على الوقفات التضامنية، التي لم تعد ورقة رابحة في ظل هكذا تطورات غاب الإعلان الصريح عن أي انخراط عسكري مباشر، وهو ما يعكس إدراكاً لحجم المخاطر المترتبة على مثل هذا الإعلان.
خلاصة المشهد
في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة، اختارت مليشيات الحوثي أن ترفع سقف التضامن اللفظي دون أن تتجاوز عتبة الالتزام العملي.
خطاب زعيمها جاء أقل حدة من المتوقع، وأكثر انشغالاً بالحشد الداخلي منه برسم معالم مواجهة خارجية.
وبين خطاب يلمح ولا يصرح، وشارع يُستدعى للتضامن بدل الاستعداد، تتكشف ملامح مرحلة يحاول فيها الحوثيون إدارة التوازن بين خطابهم الأيديولوجي ومتطلبات البقاء السياسي، في مشهد إقليمي لا يرحم المترددين ولا يتيح كثيراً من المساحات الرمادية.