الألغام التي زرعها الحوثيون.. حربٌ أخرى تنتظر اليمنيين تحت التراب
عادة، يطمئن الإنسان حين يضع قدميه على أرضه....
في اليمن، جعل الحوثيون هذه الطمأنينة نفسها موضع شك: قد ينجو المرء من الجبهة، ثم يقتله الطريق إلى بيته أو مسجده أو مدرسته !
تتحدث تقديرات يمنية عن نحو مليوني لغم زرعها الحوثيون...
لكن فداحة الجريمة لا تتوقف على حسم الرقم؛ فقد وثقت "هيومن رايتس ووتش" زرع ألغام حول منازل ومزارع، واستمرار قتل المدنيين وتشويه أجسادهم في مناطق هدأ فيها القتال....
هنا يبدأ المعنى الأشد قسوة: تستطيع الحرب أن تتوقف فوق الأرض وتستمر تحتها.
اللغم سلاح يترك قرار القتل لقدمٍ مرّت بالصُدفة من ذلك الطريق....
لا يسأل من يطؤه عن موقفه السياسي، ولا يُميز بين مُقاتِل وطفل يبحث عن دُكّان لشراء السكاكر بعد العصر، ولا يعرف أن اتفاقا وُقِّع وأن الناس قرروا العودة... !
ينصرفُ زُارّعه ويبقى القتل في مكانه، ينتظر إنسانا ربما لم يكن قد وُلِدَ يوم دفن السلاح الموقوت بخطوة عفوية على يابسة بلدٍ طيّب .. قيل أنه كان سعيدا...
في قرية الشقب بتعز، وثقت "هيومن رايتس ووتش" قصة طفل قتلت الألغام أمه قرب باب المنزل، ثم أباه أثناء الزراعة بعد مقتل أُمّه بشهر...
في هذه القصة تُختصر الكارثة:
البيت لم يعُد يحمي ساكنيه، والحقل لم يعُد يُطعم حارثيه وناثري البذور فيه، والعودة قد تُكمل ما بدأه النزوح.ك...
ومن هنا يتجاوز أثر الألغام أجساد المصابين....
الحقل الذي يخاف صاحبه دخوله يتوقف عن إنتاج الطعام...
والراعي المحروم من المرعى يفقد رزقه...
والأسرة التي تفقد معيلها تحتاج إلى علاج ودخل ورعاية لسنوات....
هكذا يصنع الانفجار الواحد سلسلة من الفقر تتجاوز اللحظة التي يسمع فيها دَويّه... وهذا ما تناولته تحليلات "كارنيغي" بشأن أثر الألغام على سُبُل العيش وتعافي المجتمع اليمني....
وفي الميزان الشرعي، قال النبي العربي الكريم عليه الصلاة وأتمّ التسليم:
"لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة، في شجرة قطعها من ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس"... رواه مسلم.
إذا كانت إزالة أذى الطريق بابا إلى الجنة، فبأي منطق ديني يصبح دفن الموت والغدر في طريق الناس دفاعا عنهم؟
أي دعوى لنصرة المستضعفين تستقيم مع تحويل خطواتهم نحو الماء والخبز إلى مخاطرة؟
تهدم الألغام أساس العلاقة بين الإنسان ووطنه...
كيف؟
بهدم الثقة بأن الأرض التي ينتمي إليها صالحة لحياته.....
من يطالب الناس بالطاعة ثم يترك مزارعهم وممراتهم مفخخة يقوض بنفسه ادعاء الحماية؛ فالسلطة تكتسب شرعيتها بما تصونه من حياة، وبما تتيحه للناس من أمن ورزق....
نعم .. اليمن طرف في اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد، ويحظر القانون اليمني استخدامها... كما تلزم قواعد القانون الدولي الإنساني أطراف النزاع، بما فيها الجماعات المسلحة، بحماية المدنيين من الهجمات العشوائية..
وقد تترتب مسؤولية عن جرائم حرب متى ثبتت عناصرها؛ لذلك يحتاج الملف إلى تحقيق وأدلة ومحاسبة، تتجاوز بيانات الإدانة.
ولكن عن أي قانون او معاهدات دولية نتحدث ونحن نخاطب شرذمة إرهابية مُسلّحة دمّرت اليمن ومن فيه وبتمويل وتسليح إيراني دنيء وبمُباركة فئة من مسوخ العالم العربي والإسلامي المنافق ممن لا يرون جرائم ودموية إيران ولو قُتِلَ عبر ميليشياتها الإرهابية ملايين المدنيين !
السلام الجاد يجب أن يتضمن كشف مواقع الألغام، وتيسير نزعها، وتمويل العلاج والتأهيل وتعويض الضحايا.....
لا يكفي أن يعود النازح إلى عنوان بيته؛ يجب أن يستطيع الوصول إلى بابه حيا.
الدول تزرع أرضها ليأكل أبناؤها من خيرها...
أما من يزرعها بالألغام، فيترك لأبناء اليمن إرثا يحتاجون إلى تفكيكه قبل أن يستطيعوا العيش فوقه.... فلا أدري ماذا أقول عنه أو عمّن يصفه بالبطولة حينا وبالشرف كُل قليل !
للأسف... أصبح كُل فردٍ يمني بحاجة إلى خبير متفجرات كي يعود إلى بيته...
هو واقع الحال في بلد عبثت في أحشائه المليشيات الإرهابية المُموّلة إيرانيا..
وللحديث بقية ..