شهداء في سبيل الدفاع عن قراهم
لم يكونا في الجيش اليمني، لكنهما كانا سنداً له، اعتادا على الوقوف في ميدان التعليم، لأكثر من ثلاثين سنة، وحين أدركا أهمية الدفاع عن أنفسهما وأرضهما وقراهما لم ينتظرا لأن يمنحا صفة عسكرية، ولا لأن يمنحا الفراغ الذي ترك مجالاً للتبرير والمحاكمة، إنما شعرا بأن المسؤولية الوطنية والأخلاقية استدعتهما إلى ميدان المواجهة.
الأستاذ فؤاد محمود غالب، والأستاذ محمد هزاع، خرجا في اليوم الأول لتمدّد المليشيات الحوثية في عزلة صنمات المسراخ، حملا الإرادة قبل البندقية، عندما شعرا بأن خطر المليشيات يتقدم نحو قراهما، ومحاولة البحث عن موطئ قدم في الجبال الممتدة إلى رأس جبل صبر.
لم يكن في هذه المناطق جبهة عسكرية مكتملة، ولم ينتظرا تشكيلها كي ينضما إليها كمقاتلين، ولا انتظرا إلى أن يأتي من يخبرهما أن عليهما واجبا تجاه البلاد الذي ينتميان إليه.
كانا من أبناء المكان، ومن الذين رأوا أن ترك القرى للمليشيات ليس خياراً يمكن القبول به. كانا معلمين، يحملان رسالة التعليم، لكنهما وجدا نفسيهما أمام رسالة أخرى لا تقل عنها مسؤولية؛ الدفاع عن قراهما، وعن الناس الذين يعرفانهما، وعن الأرض التي كانت بالنسبة إليهما حياة وذاكرة وامتداداً لكل ما عرفاه وانتميا إليهما.
وجدا نفسيهما أمام وجه آخر لرسالة التعليم التي حملاها، فالتعليم في جوهره هو أن يبني وعي الإنسان الذي لا ينفصل عن حقه في أن يعيش حراً، ولا عن حق المجتمع في حماية قراه من أن تتحول إلى مناطق خاضعة لقوة مليشياوية تحاول أن تفرض وجودها بالسلاح.
من عزلة صنمات، ولا تبدو سيرة هؤلاء الشهداء مجرد أرقام في قائمة على جدار الجبهة، إنما نتحدث عن مجتمع خرج بعض أبنائه من مقاعد التعليم إلى مواقع الدفاع، حين شعروا أن الخطر الحوثي يقترب من بيوتهم، وأن انتظار الآخرين قد يكلّفهم ما لا يمكن استعادته.
فؤاد محمود غالب، ومحمد هزاع، وفؤاد علي مقبل ثلاثة مدرسين، وثلاثة شهداء، وتاريخ واحد من صنمات المجد التي سبق وأن صنعت مع الإمامة معركة بطولية عام 1921 تقريباً، وقضوا على كل الحملات العسكرية التي غزت البلاد، ليصبح هذا السجل في ما قدموه من أعمارهم في بناء الإنسان، وفي سجل المواجهة ما قدموه دفاعاً عن قراهم، ليصبح ما أُعيد صورة للمجد الذي ولد من رحم التاريخ النضالي، حتى صار بين السجلين سيرة رسمت خرائطها بالبندقية ولا القلم.
رحم الله شهداء صنمات، فؤادان وقلب البلاد. وصلت جثامينهم صباح اليوم، إلى مدينة تعز، بعد ما حاصرتها المليشيات لأكثر من عشر أيام في أحد المواقع، وسيتم غدًا تشييعهم إلى مقبرة السعيد بعد صلاة الظهر.