من يحاصر تعز لا ولن يُحرر غزة.. هل أصبحت فلسطين صك غفران للحوثيين وغيرهم من المُجرمين؟!
ثمة مستوى من الإفلاس الأخلاقي يجعل السخرية نفسها عاجزة عن مجاراة الواقع؛ حين يتحول من يحاصر مدينة إلى خطيب مفوه في فضائل فك الحصار، ومن يمنع الماء عن الناس إلى مرجع أخلاقي يشرح للعالم حرمة التعطيش، ومن تلاحقه شهادات الضحايا وتقارير المنظمات الحقوقية إلى صاحب رسالة كونية لإنقاذ الإنسانية !
ولعل التاريخ لم يعرف مفارقة أشد تهكما من جماعة تريد أن تقنعنا بأنها تحمل مفاتيح القدس، بينما لا يزال أهل تعز ينازعونها حقهم في طريق آمن إلى بيوتهم، وفي ماء يصل إلى أطفالهم دون أن يمر على حواجز السلاح وحسابات السياسة !
تخيلوا المشهد بكل ما فيه من عبقرية في التناقض:
مدينة يمنية أنهكتها سنوات الحصار، يخرج أهلها لنصرة مدينة فلسطينية أنهكها الحصار، فتأتي الجماعة المسؤولة عن حصار الأولى لتقدم نفسها بطلا تاريخيا في تحرير الثانية!
يا لها من عبقرية ثورية !
أن تضيق الأرض بأهلها تحت سلطتك، ثم تتسع في خطاباتك حتى تبلغ فلسطين..
أن تعجز عن تأمين طريق لمريض يريد الوصول إلى مستشفى، ثم تعد شعبا آخر بطريق إلى التحرير...
أن تصبح حقوق الإنسان قضية مقدسة على بعد آلاف الكيلومترات، ومسألة قابلة للمساومة حين يكون صاحب الحق جارك الذي تعرف اسمه وبيته وأطفاله!
والأعجب أن بعض المُنافقين المدافعين عن الحوثيين يريدون منا أن نتعامل مع فلسطين باعتبارها مغسلة تاريخية للذنوب السياسية؛ يدخلها كل صاحب سلاح، فيخرج منها قديسا، مهما كانت وراءه من المآسي، ومهما بقيت في طريقه من ألغام، وفي سجله من انتهاكات.
وكأن القضية الفلسطينية، بكل ما لها من عدالة ومكانة في الوجدان العربي والإسلامي، تحولت عند هؤلاء من قضية شعب يطالب بحريته إلى شهادة حسن سلوك تمنح لمن يرفع صوته أكثر، لا لمن يحترم حياة الإنسان أكثر!
ولكن ماذا يحدث حين نخرج من مسرح الشعارات إلى محكمة الوقائع؟
في ديسمبر 2023، أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرا عن انتهاكات الحق في المياه في تعز، وثقت فيه أن الحوثيين منعوا تدفق المياه من حوضين كانا يوفران سابقا 77% من إمدادات المياه للمدينة، وأنهم عرقلوا دخول صهاريج المياه والمساعدات، واستخدموا الألغام بالقرب من مرافق المياه.
ووثق التقرير أيضا انتهاكات ارتكبتها قوات تابعة للحكومة اليمنية، بينها السيطرة على آبار وبيع المياه العامة. فالحقوق لا تتجزأ، والمسؤولية لا تسقط عن أي طرف لمجرد أن الطرف الآخر ارتكب انتهاكات مماثلة.
تأملوا الرقم جيدا: سبعة وسبعون في المئة!
نحن لا نتحدث عن خلاف على بيان سياسي، ولا عن سجال بين جماعتين، وإنما عن الماء؛ ذلك الحق الذي يسبق السياسة، وتسبقه حاجة الجسد، ولا يستطيع الإنسان تأجيله حتى تنتهي المفاوضات أو تتبدل موازين القوى.
ثم يأتي من يحدثنا عن تحرير القدس، وكأن الطريق إلى الأقصى يبدأ بإغلاق الطريق إلى بئر ماء في تعز !
* وفي يناير 2024، نشرت هيومن رايتس ووتش موقفا شديد الوضوح، انتقدت فيه التناقض بين هجمات الحوثيين على السفن باسم الاعتراض على حصار غزة، وبين استمرار القيود التي فرضوها على المدنيين في تعز. وأكدت أن منع المياه والغذاء والمساعدات عن السكان المدنيين انتهاك لقوانين الحرب، أيا كانت الجهة المسؤولة عنه.
والأمر لم يبق حبيس تقارير السنوات الماضية.
* ففي 13 أكتوبر 2026، نقلت وكالة رويترز أن التصعيد العسكري والحصار المتجدد حول تعز تسببا في ارتفاع أسعار المواد الأساسية، ونزوح عشرات الآلاف، وتعطل طرق الإمداد. وفي 14 أكتوبر، أفادت بأن اشتداد القتال وقيود الوصول الإنساني عطلت المساعدات لنحو 800 ألف إنسان، وأن أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات، بينهم أكثر من 200 ألف طفل.
بأي منطق أخلاقي يطلب ممن تسبب في حرمان الناس من ضروريات الحياة أن يصدق خطابه عن تحرير الإنسان؟
بل إن المأساة اليمنية أوسع من تعز، وأعمق من أن تختصر في سجال بين مؤيد للحوثيين ومعارض لهم.
* فبحسب خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية لعام 2026، هناك 22.3 مليون إنسان في اليمن يحتاجون إلى المساعدة والحماية، و18.3 مليون يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، وأكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة يعانون سوء التغذية الحاد، بينما لا تعمل سوى نحو 59% من المرافق الصحية بكامل طاقتها.
هذه الأرقام ليست كلها نتيجة ممارسات الحوثيين وحدهم؛ إنها حصيلة حرب طويلة، وانهيار اقتصادي، وتعدد أطراف الصراع، وتراجع الخدمات والتمويل الإنساني.
لكنها تضع أمام كل من يمارس سلطة فعلية على اليمنيين سؤالا لا يستطيع الهروب منه: ماذا فعلت لحماية الإنسان الواقع تحت سلطتك؟
فمن يريد أن يقنعنا بأنه يقاتل من أجل كرامة الفلسطيني، عليه أولا أن يفسر لماذا لم تكن كرامة اليمني، الذي يستطيع التأثير مباشرة في مصيره، أولوية لا تقبل التأجيل.
ومن يتحدث عن تجويع غزة، عليه أن يواجه حقيقة الجوع في اليمن...
ومن يستنكر حصار المدن الفلسطينية، عليه أن يرفض حصار المدن اليمنية...
ومن يدين استهداف المدنيين على يد إسرائيل، عليه أن يقبل إدانة استهداف المدنيين أيا كان الفاعل، حتى لو كان يرفع الراية التي يؤيدها.
وليس في ذلك انتقاص من عدالة القضية الفلسطينية، بل حماية لها من أن تتحول إلى أداة لتبييض الانتهاكات.
إن المأساة الأعمق تبدأ حين يتحول التضامن مع الضحية إلى وسيلة لمنح الحصانة لجلاد ضحية أخرى؛ وحين يصبح الانتماء إلى القضية بديلا عن الالتزام بأخلاقها، ويغدو الشعار أكثر أهمية من الإنسان الذي يفترض أنه رفع من أجله.
فلا يعقل أن يكون حصار غزة جريمة تستوجب غضب الأمة، بينما يصبح حصار تعز مجرد تفصيل سياسي يمكن تجاوزه ما دام المُحاصِر يهتف للقدس.
ولا يعقل أن نستحضر أحكام القانون الدولي عند الحديث عن إسرائيل، ثم نعاملها باعتبارها ترفا غربيا حين يتعلق الأمر بجماعة مسلحة عربية.
فالعدالة التي تتغير أحكامها بتغير هوية الجاني ليست عدالة، وإنما ولاء متنكر في ثياب المبادئ.
وليس المطلوب من الحوثيين أن يتخلوا عن نصرة فلسطين، بل أن يدركوا أن نصرة المظلوم لا تمنح أحدا حق ظلم غيره، وأن أول امتحان للمبادئ يبدأ من الأرض التي تملك فيها سلطة القرار، لا من الأرض التي لا تملك فيها إلا سلطة الخطابة.
أما أهل تعز، الذين خرجوا يتضامنون مع غزة رغم جراحهم، فقد قدموا درسا أخلاقيا أعمق من آلاف الخطب: أن الإنسان يستطيع أن ينصر مظلوما آخر دون أن يشترط عليه أولا الاعتراف بمظلوميته.
ولعل أكثر ما يدين هذه المفارقة أن أهل تعز لم يقولوا إن معاناتنا تعفينا من التضامن مع غزة، بينما يريد بعض المدافعين عن الحوثيين أن يجعلوا التضامن مع غزة سببا لإعفاء الحوثيين من المساءلة عن معاناة تعز!
أي انقلاب هذا في ترتيب القيم؟
أصبحت فلسطين في خطاب بعضهم قضية تستخدم لإسكات الأسئلة، بدلا من أن تكون قضية توقظ الضمائر...
ومن يجرؤ على مساءلة الحوثيين عن تعز يواجه باتهام جاهز بأنه يعادي المقاومة، وكأن الفلسطيني لا ينال حريته إلا إذا تنازل اليمني عن حقه في الحياة!
أعظم إساءة للقضية الفلسطينية أن يستعير الظالم عدالتها ليستر بها ظلمه، وأن يختبئ وراء المظلوم البعيد من ساهم في صناعة مظلوم قريب.
ليس كل من هتف للقدس أهلا لأن يحمل رايتها، ولا كل من أعلن العداء لإسرائيل أصبح تلقائيا نصيرا للإنسانية.
فقد يعادي المرء ظالما لأنه ظالم، وقد يعاديه لأنه ينافسه على السلطة والقوة، والفرق بين الموقفين لا تكشفه الشعارات، بل يكشفه سلوكه حين تصبح حياة الآخرين تحت تصرفه.
وفي النهاية أقول:
ستبقى فلسطين قضية عادلة مهما أساء بعض المنتسبين إلى نصرتها، وسيبقى حصار المدنيين جريمة أو انتهاكا بحسب الوقائع والقانون، مهما حاول مرتكبوه تغليفه بالمبررات.
أما أن تحاصر مدينة باسم تحرير مدينة، ثم تطالب أهلها بأن يسموك محررا، فتلك ليست مفارقة سياسية فحسب؛ إنها محاولة لإقناع الضحية بأن تصفق لسجانها لأنه يندد بسجون الآخرين.
وأخشى ما أخشاه على القضايا العادلة أن تصبح عظمتها ملاذا لمن لا عظمة في أفعالهم؛ فيختبئ وراء المظلوم من ساهم في صناعة مظلوم آخر، ويستعير لغة العدالة من لا يريد أن يخضع لميزانها.
فمن أراد أن يفتح أبواب القدس، فليثبت أولا أنه لا يغلق أبواب الحياة في وجه أهل تعز....
ومن أراد أن يكسر أغلال الفلسطينيين، فليبدأ بكف يده عن أغلال اليمنيين.
فالقدس لا تحتاج إلى سجّان آخر يعدها بالحرية، وفلسطين لا تحتاج إلى من يستعير جراحها ليحصل على براءة من جراح صنعها في وطنه.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
==
إحسان الفقيه
أنقره
*من صفحتها على منصة إكس