تعز.. ثقل الجمهورية وبوابة اليمن

إذا كانوا يعقلون، فعليهم أن يدركوا أن تعز ليست محافظة عادية في الجغرافيا اليمنية، وليست رقماً يمكن تجاوزه في معادلة الصراع، تعز ثقل سكاني، وعمق ثقافي، وموقع جغرافي واستراتيجي يجعلها واحدة من أهم مفاتيح اليمن.

 أولًا: تعز.. الثقل السكاني

تعز هي واحدة من أكثر المحافظات اليمنية كثافة سكانية وحضوراً بشرياً، وتمتلك امتداداً اجتماعياً واسعاً في الداخل وعلى مستوى الهجرة والاغتراب.

وهذا الثقل السكاني لا يعني مجرد عدد من السكان، وإنما يعني مجتمعاً واسعا له تأثير اجتماعي واقتصادي وثقافي وسياسي كبير.

ومن يظن أن بالإمكان تجاوز إرادة هذا المجتمع أو التعامل مع تعز باعتبارها مساحة جغرافية فقط، فإنه لا يقرأ اليمن جيداً.

ثانياً: تعز.. حصن الثقافة والوعي

تعز ليست مجرد مدينة أو محافظة إنها واحدة من أهم مراكز الثقافة والتعليم والفكر في اليمن.

وفي مجتمع تشكلت ثقافته على مدى عقود حول التعليم والانفتاح والتعدد والمواطنة والجمهورية، يصعب فرض أفكار دخيلة تقوم على السلالة أو الامتياز الطبقي أو احتكار الحق في السلطة.

إن محاولة إعادة اليمن إلى الوراء، أو إلغاء تاريخه الجمهوري، أو فرض تصورات دينية ومناطقية على المجتمع، تصطدم في تعز بثقافة اجتماعية عميقة تعرف معنى الحرية والكرامة والمواطنة.

ولهذا فإن معركة تعز ليست فقط معركة على الأرض إنها أيضاً معركة على هوية المجتمع اليمني ومستقبل الدولة.

فالمجتمع الذي عرف التعليم، وفتح أبواب المعرفة، وآمن بأن الإنسان يستحق حقوقه باعتباره مواطنا، لن يكون من السهل اختزاله في مشروع يقوم على التمييز أو إلغاء الآخر.

ثالثاً: تعز.. موقع يربط كل المحافظات اليمنية

أما جغرافياً، فتعز تمتلك موقعاً استثنائياً يجعلها حلقة وصل بين أجزاء رئيسية من اليمن.

فهي تمتد بين المرتفعات الجبلية والسهول والمناطق الساحلية، وتشكل بحكم موقعها نقطة اتصال مهمة بين المحافظات الشمالية والجنوبية.

كما أن امتدادها نحو الساحل يمنحها أهمية إضافية، في منطقة ترتبط بحركة التجارة والموانئ والممرات البحرية ذات الأهمية الوطنية والإقليمية والدولية.

ولهذا فإن أهمية تعز لا تتوقف عند حدود المحافظة؛ فاستقرارها يؤثر في حركة الاتصال بين مناطق واسعة من اليمن، وفي أمن الطرق والممرات، وفي النشاط الاقتصادي والتجاري.

 تعز ليست هامشاً في المعادلة

من يقرأ تعز قراءة صحيحة يدرك أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على المجتمع.

فالمجتمع الذي يمتلك هذا العمق السكاني والثقافي والتاريخي والجغرافي ليس سهلاً إخضاعه لمشروع يناقض تركيبته الاجتماعية ووعيه وتاريخه.

ولهذا فإن التعامل مع تعز باعتبارها ملفا عسكريا فقط هو خطأ استراتيجي؛ تعز قضية دولة وهوية ومجتمع وجغرافيا ومستقبل.

وعلى الشرعية أن تدرك الحقيقة

إذا كانت هناك جهة يفترض أن تدرك هذه الحقيقة قبل غيرها، فهي الشرعية اليمنية والقوى الوطنية المؤمنة بالجمهورية.

تعز ليست محافظة يمكن تركها لمصيرها ثم انتظار النتائج؛ فاستقرارها جزء من استقرار الجمهورية، وحماية مؤسساتها ومجتمعها جزء من حماية الدولة اليمنية.

إن ترك تعز وحيدة أمام التحديات يعني إضعاف واحدة من أهم ركائز الدولة الجمهورية، ويعني السماح بتآكل مساحة مهمة من الجغرافيا والمجتمع اللذين يشكلان عمقا أساسيا للمشروع الجمهوري.

تعز ليست تفصيلا في معادلة اليمن؛ تعز إحدى ركائز المعادلة نفسها.

ومن يظن أن تعز يمكن أن تسقط دون أن تهتز الجمهورية، فهو لا يدرك طبيعة اليمن ولا يقرأ الجغرافيا ولا يفهم المجتمع.

تعز بثقلها السكاني، ووعيها الثقافي، وتاريخها الجمهوري، وموقعها الجغرافي، ليست مجرد محافظة تُدافع عن نفسها؛ إنها جزء أساسي من سؤال اليمن كله: أي دولة نريد؟ وأي مستقبل نريد لأجيالنا؟

ولهذا فإن حماية تعز من المليشيات الحوثية ودعم استقرارها، وحماية سكانها، والحفاظ على مؤسساتها، ليست مسؤولية أبناء تعز وحدهم؛ بل مسؤولية وطنية تتصل بمستقبل الجمهورية اليمنية بأكملها.

تعز ليست بوابة فقط.. تعز واحدة من مفاتيح اليمن.