حين يجتاح الحوثي.. يرحل السكان

خلال سنوات الحرب استعادت القوات التابعة للحكومة اليمنية مساحات واسعة من البلاد، من عدن ولحج والضالع وشبوة وحضرموت إلى مأرب وأجزاء واسعة من تعز والساحل. ومع الوقت تحولت هذه المناطق إلى الوجهة الرئيسية لملايين اليمنيين الذين فروا من الحرب والقمع ومناطق سيطرة جماعة الحوثي الإرهابية.

وفق أحدث تقييم للمنظمة الدولية للهجرة، خلال أبريل ومايو 2026، يعيش 3 ملايين و147 ألف نازح في المواقع التي تمكنت المنظمة من الوصول إليها داخل المحافظات الخاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا. وتستضيف مأرب وحدها نحو مليون و880 ألف نازح، أي قرابة 60% من إجمالي النازحين الذين شملهم هذا الرصد.

بما يعني أن المدينة التي تقف في الصف الأول للمواجهة مع الحوثيين هي في الوقت نفسه أكبر ملاذ للنازحين في اليمن.

من جهة أخرى عندما يتحرك الحوثي تتغير المعادلة تماما..

في الهجوم الحوثي الأخير باتجاه الساحل الغربي، تحدثت منظمة الهجرة العالمية عن نزوح ما لا يقل عن 76 ألف شخص منذ يوليو 2026. ووثقت تقارير خلال أيام الهجوم فرار عشرات الآلاف من المدنيين من المناطق التي تقدمت إليها الجماعة، فالعائلات لم تنتظر لترى شكل الحياة تحت حكم الحوثي، بل حملت أطفالها وما استطاعت حمله من ممتلكاتها واتجهت إلى مناطق أكثر أمنا.

إنها واحدة من أكثر الصور دلالة على طبيعة المشروع الزيدي الحوثي، والمثال الأوضح لما تكرر في تاريخ السلالة الإمامية كلما استطاعت أن تسيطر على الحكم في بعض مناطق اليمن، لتشكل كارثة على كل ما تحت يدها وجوارها.

التهجير القسري ليس مجرد هرب بل نزوح استباقي وواع تحكمه ذاكرة جمعية مثقلة بانتهاكات ممنهجة أرست نموذجا متكاملا من الحكم بالرعب، يقوم على ركائز واضحة:

سياسة الأرض المحروقة وتفجير المنازل: 

اعتمدت الميليشيا نسف المنازل أداة منهجية لترهيب الخصوم وإخضاع المجتمع؛ إذ وثقت الشبكات الحقوقية تفجير وتدمير أكثر من 1200 منزل ومرفق خاص في نحو 17 محافظة يمنية، كرسالة ترهيب مفادها أن العقاب سينال المأوى والأسرة بلا هوادة.

الاختطاف ومصادرة الحريات: 

سجلت المنظمات الحقوقية اختطاف وإخفاء آلاف المدنيين قسراً منذ 2014، وصل في أحدث تلك الإحصائيات الى سبعة عشر ألف مختطف على الأقل، جلهم من السياسيين والصحفيين والنشطاء والمخالفين لتوجه الجماعة وموظفي إغاثة، زُجّ بهم في معتقلات سرية تفتقر لأدنى معايير العدالة الإنسانية.

الفرز الطبقي والرقابة على القول والفعل: 

أقامت الجماعة شبكة رقابة أمنية ومجتمعية تخنق الحياة اليومية وتفرز الناس سلاليا ومذهبيا، حيث تحولت الكلمة والمنشور ومجرد الرأي إلى تهم تستوجب الملاحقة، مما ألغى مفهوم المواطنة المتساوية لحساب تراتبية قسرية.

التطييف الإجباري وتجريف التعليم والهوية: 

تعمد الميليشيا إلى مصادرة منابر المساجد وعزل خطبائها واستبدالهم بعناصرها، وفرضت تحريفا واسعا على المناهج المدرسية بما يخدم عقيدتها الزيدية الشيعية، بالتوازي مع تقويض استقلال التعليم الجامعي وفرض مشرفين ومقررات طائفية تحول الصروح الأكاديمية إلى معسكرات للتعبئة المذهبية والتشييع الاجباري.

تسميم الطفولة والتجنيد القسري: 

وثقت الأمم المتحدة وتقارير حقوقية تجنيد واستدراج أكثر من 30 ألف طفل والزج بهم وقودا للجبهات، عبر استغلال المدارس والمراكز الصيفية في عمليات غسل أدمغة ممنهجة طمست براءة الطفولة.

وإلى جوار هذه المنظومة الخانقة، يبرز التجويع الممنهج عبر اقتصاد الجباية كأولوية قصوى تسبق حتى تثبيت الأمن، ورأينا ذلك بوضوح في الدليل العملي الفج الذي شهدته مدينة حيس بالساحل الغربي، فبينما كانت المدينة خارجة للتو من وطأة المواجهات وسكانها يلملمون شتات نزوحهم، سارعت الميليشيا إلى الاستيلاء على أحد المباني ورفع لافتة الهيئة العامة للزكاة عليه كأول حضور ملشاوي لها.

إن حركة السكان نحو الهروب من جحيم الجماعة الزيدية الإرهابية، شهادة سياسية واجتماعية تختصر حقيقة لا لبس فيها، في المناطق التي تديرها الحكومة اليمنية يعيش اليوم ملايين النازحين، وتستضيف مأرب وحدها قرابة 1.9 مليون منهم وفق أحدث رصد للمنظمة الدولية للهجرة. وعندما تتقدم جماعة الحوثي في جبهة جديدة، نشاهد مجددا الطرق تمتلئ بالأسر الهاربة.

هناك فرق هائل بين أرض يهرب إليها اليمنيون طلبا للأمان، وأرض يهرب منها اليمنيون خوفا مما ينتظرهم، وهذه أصدق شهادة يمكن أن يصدرها مجتمع على جماعة مسلحة:

أن يرى الناس راياتها قادمة، فيحملون أطفالهم ويغادرون منازلهم ومدنهم وقراهم.