خطيئة الاستحواذ وإطالة أمد الحرب: الدور الإخواني في اليمن من اختطاف القرار السيادي إلى مرحلة التحييد العسكري
شهد مسار الحرب في اليمن تحولات جذرية ومفاجئة، حيث انطلقت عمليات التحالف العربي لإنقاذ الشرعية اليمنية واستعادة مؤسسات الدولة من قبضة المليشيات الحوثية الموالية لإيران، ورغم الدعم العسكري واللوجستي والمالي الهائل الذي قدمته دول التحالف، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، إلا أن المعطيات على الأرض كشفت وجود اختلالات هيكلية عميقة في منظومة الشرعية، وكان لجماعة الإخوان المسلمين، الممثلة سياسياً بحزب التجمع اليمني للإصلاح، الدور الأكبر في إحداثها، حيث تحولت الجماعة بمرور الوقت من شريك مفترض في معركة استعادة الدولة إلى مصدر إرباك مستمر واستنزاف حاد لأهداف التحالف، مستغلة نفوذها الواسع داخل مؤسسات الرئاسة والجيش والأمن لتمرير أجندة حزبية وإقليمية خاصة لا تتسق مع التوجهات القومية والعربية التي تأسس بناءً عليها التحالف لدعم الشرعية.
استراتيجية تجميد الجبهات وتكريس النفوذ الجغرافي
تميز الأداء العسكري للفصائل والوحدات العسكرية الخاضعة لنفوذ تنظيم الإخوان بتبني استراتيجية واضحة تقوم على تجميد المعارك الحقيقية ضد الحوثيين والتركيز بدلاً من ذلك على بناء نفوذ جغرافي خالص وتأمين منابع الثروة النفطية. وتشير التقارير الميدانية والمصادر العسكرية إلى أن تنظيم الاخوان في اليمن احتفظ لسنوات طويلة بقوات عسكرية ضخمة ومعدات ثقيلة متطورة في محافظتي مأرب ووادي حضرموت، دون أن تشن هذه القوات أي هجمات حاسمة أو تتقدم صوب العاصمة المختطفة صنعاء، وكان هذا التراخي العسكري يهدف بشكل أساسي إلى استنزاف الدعم المالي والعسكري المقدم من التحالف، مع الحفاظ على القوة العسكرية للإخوان كأداة ضغط لفرض شروطهم على أي تسوية سياسية مستقبلية، وضمان استمرار سيطرتهم على العائدات المالية للمحافظات النفطية بعيداً عن خزينة الدولة المركزية.
سقوط الجبهات الاستراتيجية وتسليم المعسكرات دون قتال
تعد ظاهرة الانسحابات المفاجئة وسقوط المناطق الحيوية بيد مليشيات الحوثي من أبرز ملامح الإرباك العسكري الذي تسببت فيه جماعة الإخوان، ويمثل سقوط جبهة نهم الاستراتيجية البوابة الشرقية للعاصمة صنعاء، صدمة كبرى للتحالف العربي بعد أن ظلت القوات الحكومية المرابطة هناك تتلقى دعماً لوجستياً هائلاً طوال سنوات، وجاء هذا السقوط المريب متبوعاً بانهيارات متتالية وسريعة في محافظة الجوف ومديريات واسعة من محافظتي مأرب والبيضاء، وصولاً إلى تسليم ثلاث مديريات في بيحان بمحافظة شبوة دون خوض معارك حقيقية، وأكدت مصادر سياسية ومراقبون عسكريون أن هذه الانهيارات لم تكن نتيجة تفوق عسكري حوثي بقدر ما كانت نتاج تفاهمات وانسحابات تكتيكية متعمدة من قادة عسكريين يدينون بالولاء لجماعة الإخوان، بهدف إحراج التحالف العربي والتخلص من الضغوط الممارسة عليهم للتقدم نحو صنعاء.
ظاهرة التخادم السري والعلني مع المليشيات الحوثية
تجاوز الأمر مجرد الانسحابات العسكرية الميدانية إلى نشوء حالة من التخادم المصلحي غير المعلن بين الإخوان والحوثيين، وهو ما كشفت عنه تصريحات قيادات حوثية وإخوانية بارزة وتأكيدات ميدانية حول وجود خطوط تواصل مستمرة، وتجلى هذا التخادم في تجميد جبهات القتال بالكامل في مناطق التماس المشتركة، فضلاً عن غض الطرف الممنهج عن ممرات تهريب الأسلحة والمعدات التكنولوجية الحساسة وقطع الطائرات المسيرة التي كانت تتدفق للحوثيين عبر المحافظات والمنافذ الخاضعة لسيطرة ونفوذ حزب الإصلاح، وساعدت هذه التسهيلات الميليشيا الحوثية على تطوير قدراتها الهجومية واستهداف المنشآت الحيوية في دول الجوار، مما شكل طعنة مباشرة لجهود التحالف العربي الذي كان يسعى لتجفيف منابع تسليح الحوثيين.
تحويل بوصلة السلاح نحو المحافظات الجنوبية المحررة
في الوقت الذي كانت فيه العاصمة صنعاء وبقية محافظات الشمال ترزح تحت وطأة المشروع الإيراني، اختارت جماعة الإخوان تحويل بوصلة عدائها العسكري ونشاطها الحربي نحو المحافظات الجنوبية المحررة، وظهر ذلك جلياً في الحشود العسكرية الضخمة التي وجهتها الجماعة من مأرب والجوف باتجاه محافظتي شبوة وأبين والعاصمة المؤقتة عدن، حيث سعت بكل قوتها إلى تفجير صراعات مسلحة جانبية مع القوات الجنوبية وألوية العمالقة وقوات دفاع شبوة والمجلس الانتقالي الجنوبي، وهي القوات التي مثلت رأس الحربة الحقيقي في مواجهة الحوثيين وتنظيم القاعدة، وأدى هذا السلوك الإخواني إلى تشتيت جهود التحالف العربي، وإجبار القوات المناهضة للحوثيين على الدخول في معارك دفاعية جانبية بدلاً من تركيز الجهود الكاملة نحو جبهات الشمال.
اختراق مؤسسة الرئاسة والسيطرة على القرار السيادي للشرعية
نجحت جماعة الإخوان المسلمين خلال سنوات الحرب الأولى في فرض هيمنة شبه مطلقة على مفاصل القرار السياسي والإداري داخل منظومة الرئاسة اليمنية في عهد الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، واستغلت الجماعة هذا النفوذ لتعيين المئات من كوادرها وحلفائها في مناصب سيادية عليا تشمل وزراء وسفراء ووكلاء محافظات وقادة مناطق عسكرية ورؤساء دوائر استخباراتية، وتحولت مؤسسة الشرعية بفعل هذا الاختراق إلى مظلة لحماية مصالح التنظيم وتصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين، بدلاً من أن تكون جهة جامعة لإدارة معركة التحرير الوطني، وشكل هذا الاختراق عائقاً كبيراً أمام التحالف العربي الذي وجد نفسه يتعامل مع شرعية مختطفة القرار ترفض تنفيذ التوجيهات العسكرية والخطط الاستراتيجية المتفق عليها.
الارتباط بأجندة إقليمية عابرة للحدود ومعادية للتحالف
لم تكن مواقف حزب الإصلاح منطلقة من المصلحة الوطنية اليمنية العليا، بل عكست بوضوح ارتهان الجماعة لمشروع تنظيم الإخوان المسلمين الدولي العابر للحدود، وخلال فترات الاستقطاب الإقليمي الحاد، ظهر انحياز الجماعة واضحاً نحو المحاور الإقليمية التي تتبنى أجندة تتعارض كلياً مع مصالح الأمن القومي العربي ودول الخليج العربي، وتحولت وسائل الإعلام التابعة للإخوان والممولة من جهات خارجية إلى منصات لشن حملات تشويه ممنهجة ضد التحالف، هذا السلوك الإعلامي والسياسي المزدوج عمق الفجوة بين الجماعة وقيادة التحالف التي باتت على قناعة تامة بأن حزب الإصلاح يستغل عباءة الشرعية لتنفيذ أجندة تخدم قوى إقليمية أخرى ترغب في إفشال مهمة التحالف في اليمن.
إطالة أمد الصراع وتغيير طبيعة المعركة اليمنية
أدت مجمل الممارسات العسكرية والسياسية لتنظيم الإخوان في اليمن إلى إحداث تغيير جوهري في طبيعة المعركة التي يخوضها التحالف العربي، فبدلاً من أن يكون الصراع متمحوراً حول إنهاء الانقلاب الحوثي وقطع الذراع الإيرانية في شبه الجزيرة العربية، تحولت الساحة اليمنية بفضل المناورات الإخوانية إلى حلبة للصراعات البينية والمناكفات الحزبية والحروب الجانبية داخل معسكر الشرعية نفسه، وتسبب هذا الانحراف الاستراتيجي في إطالة أمد الحرب لسنوات طويلة حتى اللحظة، وترتيب كلف مالية وبشرية وباهظة على دول التحالف، فضلاً عن مفاقمة المعاناة الإنسانية والاقتصادية للشعب اليمني وتدمير ما تبقى من بنية تحتية للدولة.
ردود فعل التحالف وإعادة هيكلة منظومة الشرعية اليمنية
أمام هذا المشهد المعقد والارتباك المستمر، أدركت قيادة التحالف العربي، وتحديداً المملكة العربية السعودية عدم إمكانية تحقيق أي تقدم حقيقي أو حسم عسكري وسياسي في ظل استمرار الهيمنة الإخوانية على قرار الشرعية، ودفع هذا الإدراك نحو اتخاذ خطوات تصحيحية جذرية وشجاعة، بدأت برعاية اتفاق الرياض لتوحيد الصفوف، وصولاً إلى الخطوة الأبرز التي تمثلت في رعاية المشاورات اليمنية اليابانية في الرياض والتي تمخض عنها نقل السلطة وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي، وضم المجلس الجديد ممثلين عن كافة القوى الفاعلة والحقيقية على الأرض، مما ساهم في تقليص نفوذ جماعة الإخوان وإقصاء الرموز القيادية التي تسببت في إفشال الجبهات، وباتت الجماعة في مواجهة واقع سياسي وعسكري جديد يجردها من امتيازات التمكين السابقة ويعيد توجيه البوصلة نحو الأهداف القومية الحقيقية لمعركة اليمن.
بل ومؤخراً ما تبنته المملكة العربية السعودية وبتنفيذ من قبل المجلس الرئاسي والحكومة الشرعية تنقية الوحدات والألوية العسكرية في بعض المحافظات المحررة وفي مقدمتها المحافظات الجنوبية من القيادات الأمنية والعسكرية التابعة لتنظيم الاخوان في اليمن والتي هي في الوقت نفسه غير نظامية وتم تعيينها وترقيتها بناءً على توجه حزبي بحت بعيداً عن المهنية والتخصص والترقية العسكرية.