بين واقع البناء وأوهام الفناء.. غزة في ميزان العقل العربي
ما كان للحق أن يضل طريقه لو لم تُثقله الأطماع وما كان لغزة العزّة أن تئن تحت وطأة الدمار لولا مقامرات بائسة استبدلت واقعية البناء الخليجي الرصين بفقاعات الخطابات التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
وفي غمرة النكبة المتجددة، يقف المتأمل أمام مشهدين لا يلتقيان: مشهد خليجي تتقدمه المملكة العربية السعودية، يسكب العرق والمال والجهد الدبلوماسي لترسيخ الوجود الفلسطيني فوق أرضه، ومشهد إيراني ضجيجي اختزل القضية في ظاهرة صوتية دفعت غزة وأهلها ثمنها من دمائهم وعمرانهم في حرب غير متكافئة فرضتها حسابات الغرف المغلقة بعيداً عن مصلحة الإنسان الفلسطيني البسيط.
إن القارئ الحصيف للمشهد يدرك أن ما قدمته دول الخليج لم يكن مجرد معونات عابرة أو ذراً للرماد في العيون، بل هو عقيدة سياسية وإنسانية ثابتة، تجلت في جسور جوية وبحرية لم تنقطع، ودعم مالي مباشر للخزينة الفلسطينية كفيل بإبقاء مؤسسات الدولة صامدة، وحراك دبلوماسي عالمي يقوده التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين الذي وُلد في الرياض ليضع العالم أمام مسؤولياته الأخلاقية، بعيداً عن الشعارات الجوفاء.
فهذا الدعم الخليجي هو فعل بناء يسعى لحماية الهوية والأرض، بينما أثبتت الوقائع أن الرهان على الوعود الإيرانية لم يكن إلا ارتماء في أحضان سراب خادع، حيث استُخدمت غزة كمنصة لاختبار النفوذ وتوسيع رقعة المساومات الإقليمية، ليجد المواطن الغزاوي نفسه في نهاية المطاف وحيداً يواجه آلة الموت، بينما تكتفي الأطراف التي حرّضت ودفعت نحو التهلكة ببيانات الشجب والمزايدات التي لا توقف غارة ولا تُطعم جائعاً.
لقد قُصم ظهر غزة حين غُيب العقل وحضر التهور، وحين استُبدلت الحكمة العربية الأصيلة التي تمثلها دول مجلس التعاون بالتبعية العمياء لأجندة عبثية جعلت من دماء الأبرياء وقوداً لطموحات إمبراطورية واهية.
فالحقيقة المرّة التي يجب أن تُقال، هي أن غزة أُهلكت بقرار لم يقرأ موازين القوى، وباندفاع لم يحسب حساب العواقب، وبثقة ساذجة في حليفٍ يجيد فن الخطابة ويحترف خذلان الحلفاء عند ساعة الصفر، بينما تنهمك السواعد الخليجية اليوم في محاولات لملمة الجراح وإعادة الحياة لما دمرته الحرب.
يبقى الدرس القاسي ماثلاً أمام العيان.. وهو أن الوطنية الحقة لا تتحقق بالانتحار العسكري غير المدروس، بل بالالتفاف حول العمق العربي الصادق الذي يرى في فلسطين قضية وجود لا ورقة تفاوض، ليبقى الخيار الخليجي هو المسار الوحيد الذي يجمع بين نبل الهدف وحصافة الوسيلة في زمن كثر فيه المتاجرون بالآلام.