رصاصة في حقيبة تلميذ.. دماء "إبراهيم" تفضح وحشية قناصة الحوثي في تعز
مطيع سعيد المخلافي
لم تكن مدينة تعز يوم أمس الأحد على موعد مع حدث عابر، بل على موعد مع جريمة وحشية جديدة تضاف إلى سجل طويل من الجرائم التي ارتكبتها المليشيا الحوثية بحق المدينة وسكانها، جرائم لا تُحصى ولا تُعد، لكنها في كل مرة تترك جرحاً أعمق وألماً أشد.
في حي الروضة شرق مدينة تعز، كان الطالب إبراهيم جلال، ذو الأربعة عشر عاماً، عائداً من مدرسته حاملاً حقيبته المدرسية وأحلامه الصغيرة، يسير إلى جانب شقيقته في طريق يفترض أن يكون آمناً لطفلين عائدين من يوم دراسي. لكن قناصاً حوثياً متمركزاً في إحدى العمائر المرتفعة بحي كلابة كان يترصد الحياة ذاتها، موجهاً بندقيته نحو قلب طفل بريء، لتخرج رصاصة غادرة تخترق صدر إبراهيم وتسقطه أرضاً مضرجاً بدمه الطاهر.
سمعت شقيقته صوت الطلقة، وشاهدت أخاها يسقط أمام عينيها في لحظة خاطفة، لتتحول تلك اللحظة إلى كابوس لا يُمحى من ذاكرتها. ارتجف جسدها الصغير من شدة الخوف، واغرورقت عيناها بالدموع وهي تروي كلماتها الموجوعة، شاهدة على جريمة لا يمكن لطفلة أن تحتمل مشهدها ولا أن تنساه ما حييت.
كان المشهد مؤلماً إلى حد الفجيعة… طفل يقنص وهو يحمل حقيبته المدرسية، وأخت ترتعش من الرعب بعد أن فقدت شقيقها في لمحة بصر، وأم ثكلى تجلس أمام جسد طفلها المكفن، تحدق في ملامحه البريئة، تخاطب روحه الطاهرة بحرقة: لماذا قتلوك يا ولدي وأنت ما زلت صغيراً؟ لماذا سرقوا ضحكتك وأحلامك؟ كانت تنتظر منه أن يجيب، أن يفتح عينيه، أن ينطق بكلمة… لكنه ظل صامتاً، لتردد بحرقة: حسبي الله ونعم الوكيل.
فأي ذنب اقترفه الطالب إبراهيم جلال حتى تُوجَّه نحوه بندقية قناص، وتُطلق رصاصة قاتلة إلى قلبه؟ أي خطر كان يمثله طفل عائد من مدرسته؟ وأي عقل إجرامي يمكن أن يرى في حقيبة مدرسية هدفاً عسكرياً؟
إن هذه الأسئلة ليست جديدة على مدينة تعز، التي عاشت سنوات طويلة تحت حصار خانق، وتعرضت لأبشع أشكال الانتهاكات، من القنص المتكرر للمدنيين، إلى زرع شبكات الألغام، وقصف الأحياء السكنية بالمدفعية والكاتيوشا والطيران المسيّر. جرائم تنوعت أدواتها، لكن هدفها ظل واحداً: كسر إرادة مدينة لم تستسلم.
لقد فشلت المليشيا الحوثية منذ بداية الحرب في إخضاع مدينة تعز، فوجدت نفسها أمام مدينة عصية، واجهت حصارها بشجاعة، وقاومتها ببسالة، ولقنتها دروساً قاسية في الصمود. رجال ونساء، أطفال وشيوخ، مدنيون وعسكريون، توحدوا في خندق واحد دفاعاً عن مدينتهم، فكان رد المليشيا على هذا الصمود هو الانتقام من المدنيين، واستهداف الأطفال والنساء كعقوبة جماعية لمدينة رفضت الركوع.
إن جرائم القنص التي تتكرر في تعز ليست حوادث عشوائية، بل نهج متعمد يعكس عقيدة عنف لا تعترف بقيمة الإنسان، ولا تحترم طفولة أو أمومة، ولا تلتزم بدين أو عرف أو قانون. نهج يترجم نفسه في استهداف الأبرياء، وترويع الأسر، وتحويل الأحياء السكنية إلى ساحات خوف دائم.
لقد كشفت جريمة قنص الطالب إبراهيم جلال الوجه الحقيقي البشع لهذه المليشيا، وفضحت أسلوبها القذر في التعامل مع أبناء تعز، في انتهاك صارخ لكل تعاليم الدين الإسلامي، وكل القيم الإنسانية والأخلاقية التي تجرّم قتل النفس البريئة وتدين استهداف الأطفال.
سيبقى دم إبراهيم شاهداً على جريمة لا تسقط بالتقادم، وستبقى دموع شقيقته وصرخات أمه وصمة عار في جبين كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء. أما تعز، التي نزفت كثيراً، فلن تنكسر، وستظل مدينة تقاوم القنص بالثبات، والرصاص بالصمود، والوجع بالأمل.