السنة في النظرية الزيدية: هل يصمد الادعاء الشكلي أمام تفكيك المنهج؟
استهلال: التباس المفهوم وسؤال المرجعية
حين يُطرح سؤال: ما موقع السنة النبوية في النظرية الزيدية؟
فإن الجواب السريع يبدو بسيطاً في ظاهره؛ إذ تُصنف الزيدية نفسها مدرسةً تعتمد "القرآن والسنة" كمصدرين للتشريع.
لكن هذا الجواب، رغم صحته الشكلية، يظل قاصراً عند كشف الحقيقة الجوهرية للمسألة، فالمعضلة هنا لا تكمن في "الإقرار المبدئي" بالسنة، بل في آليات تعريفها، ومناهج إثباتها، ومعايير قبولها أو ردها، وهنا تحديداً تبرز الفروق المنهجية العميقة.
اتفاق في العنوان.. واختلاف في الهوية المنهجية
تُقرّ الزيدية، ضمن بنائها الأصولي، بأن القرآن الكريم والسنة النبوية يمثلان المصدرين الرئيسيين للتلقي، ما يجعلها تبدو، في طبقاتها الأولى، قريبة من البناء السني، إلا أن هذا التقارب ليس سوى "اتفاق في العناوين"، فبمجرد الانتقال إلى منهج التعامل مع السنة، تظهر المفارقة الكبرى: إذ لا تعتمد الزيدية الهادوية على المدونة الحديثية السنية، ولا تسير على مناهج المحدثين في "التصحيح والتضعيف"، بل تعيد صياغة الحديث ضمن إطار أصولي خاص، يُخضع النص النبوي للاشتراطات العقدية للمذهب، وعلى رأسها الولاية والإمامة.
إشكالية الأدوات: غياب البنية العلمية المتكاملة
عند تفكيك البنية الحديثية داخل المدرسة الزيدية، تبرز ملاحظة جوهرية تتعلق بقصور الأدوات العلمية المعتمدة، محمد بن إبراهيم الوزير، وهو من كبار العلماء الذين غادروا ظلام الزيدية إلى سعة الدليل، يقرر بوضوح أن المدرسة الزيدية لا تمتلك البنية العلمية المتكاملة لـ "علم الحديث" كما تشكّلت عند أهل السنة، ويشير إلى غياب أو ضعف علوم أساسية وحاسمة، مثل: علم العلل، ومعرفة طرق الحديث، وعلم الجرح والتعديل.
يقول ابن الوزير: "ليس للزيدية حظ في علم العلل، ولا نعرف لهم تأليفاً في طرق الحديث، وهذه علوم جليلة لا بد من معرفتها".
ويضيف قاطعاً الطريق على دعوات المركزية المذهبية: "قول المعترض: إن الواجب هو الرجوع إلى أئمة الزيدية في علوم الحديث؛ قول مغفّل".
والمتأمل في تاريخ هذا الصدام يدرك أن الزيدية حافظت على انغلاقها المنهجي كـ "هوية ثابتة"؛ فكل من حاول إعمال أدوات المحدثين والنقد العلمي في المرويات من داخلها، كابن الوزير والمقبلي والجلال وصولاً إلى الشوكاني، انتهى به المطاف خارج أسوار المذهب تماماً، ما يثبت أن "الزيدية هي الزيدية"؛ مذهبٌ لا يقبل "التسنين" أو التطوير الحديثي من الداخل، فإما التسليم الكلي للمذهب واسسه العقدية، أو الخروج إلى رحابة الدليل والأثر.
الصحيحان خارج المرجعية الزيدية: نفي القبول والاعتبار
من أكثر القضايا حسما في تفكيك الموقف الزيدي، هو موقفها من الصحيحين، البخاري ومسلم، ففي حين يحتل الصحيحان موقع الصدارة في المنظومة السنية بوصفهما أصح الكتب بعد القرآن، يتجه التراث الزيدي الهادوي إلى نفي مرجعيتهما بالكلية.
يقول يحيى الرسي، فيما نقله بدر الدين الحوثي نقلاً عن القاسم بن محمد، في وصف الصحيحين:” إن بينهما وبين الصحة مراحل ومسافات” بدر الدّين الحوثي، السلسلة الذهبية، ص30.
ثم يقرر بدر الدين الحوثي “وكتب الزيدية هي التي تُعرِّف بمذهبهم، فلا يعمل بما كُتِب عن الزيدية من كُتُب إلا ما وافق كتبهم المعتمدة" بدر الدين الحوثي، تحرير الأفكار، مرجع سابق، ص 7-8.
وهو ما أكّد عليه أيضا المهدي أحمد بن يحيى المرتضى (مؤلّف متن الأزهار) حين نقل عن الرسي قوله:” ولهم كتابان يسمونهما بالصحيحين، ولعمري إنهما عن الصحة لخليّان” معقباً بتأييد مطلق لموقف الرسي: "ولعمري إنه لا يقول ذلك على غير بصيرة". صالح بن مهدي المقبلي، المنار في المختار جـ1، ص 352.
وجسد المرتضى هذا المنهج الزيدي شعرا:
إذا شئت أن تختر لنفسك مذهباً .. ينجيك يوم الحشر من لهب النار
فدع عنك قول الشافعي ومالك .. وحنبل والمروي عن كعب أحبار
وخذ من أناس قولهم ورواتهم .. روى جدّهم عن جبرائيل عن الباري
بل وصل الامر الى أن قال أحد الزيدية الهادوية المتعصبين، وهو أحمد بن سعد المسوري في الرسالة المنقذة من الغواية في طريق الرواية:
"إن كل ما في الأمهات الست لا يحتج به وأنه كذب"
البديل المذهبي: مرجعية "رواية العترة" والسلطة السلالية
في مقابل رفض المرجعية الحديثية للسنة، تبني الزيدية مرجعيتها الحديثية على مصادر "مغلقة" تدور أساساً حول روايات السلالة (أهل البيت)، وتعتمد كتباً خاصة بها مثل: (مسند زيد بن علي، أمالي أحمد بن عيسى، الجامع للمرادي، والاعتصام للقاسم بن محمد)، وتتأسس هذه المرجعية على حصر "النص الصحيح" فيما ورد عن طريق "العترة"، مما يحول السنة من ميراث نبوي للأمة إلى "امتياز سلالي".
يقول عبدالله بن حمزة في تقرير هذه الفوقية:
كم بين قولي عن أبي عن جدّه .. وأبو أبي فهو النبي الهادي
وفتىً يقول روى لنا أشياخنا .. ما ذلك الإسناد من إسنادي
وهنا تتضح القاعدة الحاكمة: السنة المقبولة ليست ما صحّت أسانيده بمعايير المحدثين، بل ما جاء عبر السلسلة التي تمنح "العترة" أولوية معرفية وسلطة مطلقة في التلقي والحكم وادعاء الخيرية.
الحديث السني كـأداة جدلية لا مصدر اعتماد
يكشف الفحص الدقيق لمتون الزيدية أن إيراد الأحاديث السنية لا يعني القبول المنهجي بها، بل تُستخدم غالباً كـ "أداة إلزام للخصم" (Argumentum ad hominem)، فالاستشهاد بالبخاري أو مسلم في كتب الزيدية لا يدل على اعتراف بمرجعيتهما، بل هو جزء من خطاب "إلزام الخصم بما يعتقده"، أو محاولة لتطويع تلك الروايات وتلبيسها التفسير السلالي لخدمة الغرض المذهبي.
الرواة: هدم الثقة وإعادة تشكيل "العدالة"
بما أن السنة لا تصل إلا عبر الرواة، فإن الزيدية تعيد صياغة مفهوم "الراوي المقبول" بناءً على معايير عقدية سياسية، فبينما استقر أهل السنة على "عدالة الصحابة" كقاعدة لنقل الدين، تُخضع الزيدية الراوي لمعيار "الموقف من الإمامة".
وبمقتضى هذا المعيار، يسقط في الزيدية كبار الرواة من دائرة القبول؛ وفي مقدمتهم الصحابي أبو هريرة، الذي ترفض الزيدية مروياته جملة وتطعن في عدالته، بل وتشكك في صحبته للنبي، ويمتد هذا الموقف ليشمل شخصيات مركزية كـ عائشة ومعاوية، والخلفاء وجملة الصحابة، حيث تُتهم رواياتهم بالانحياز وتُربط قبولهم بموقفهم من ولاية علي، ما يؤدي في الى حقيقة مفادها: حين تُهدم الثقة في الطبقة الناقلة (الصحابة)، يسقط بالضرورة الجزء الأكبر من السنة النبوية المدونة.
نقد العقل الحديثي: رفض المصطلح والمفهوم
لا يتوقف الرفض الزيدي عند المتون أو الرواة، بل يمتد لنقض علم الحديث كجهاز معرفي. يقول مجد الدين المؤيدي، أحد أبرز مراجعهم المعاصرين: "أغلب تلك المصطلحات لا برهان عليه من عقل ولا نقل"، ويرد على فكرة تلقي الأمة للصحيحين بالقبول بوصفها: "من التحكمات الواضحة، والتعصبات الفاضحة".
وفي الختام:
السنة في النظرية الزيدية الهادوية ليست هي ما صحّ عند جمهور علماء الأمة، بل هي نصٌّ تتم اعادة صياغته ليناسب "نظرية الإمامة والولاية"، سنة مقيَّدة بمنهج خاص يقدّم رواية "العترة" ويقيّد خبر الآحاد، ويرفض مرجعية الصحاح، مما يجعل الفارق بين "الادعاء الشكلي" و"الواقع المنهجي" هو الفارق بين العلم وبين التوظيف الأيديولوجي للدين.