مائدة "حيران".. حين يفطر الصائمون على القذائف

في هذه الخواتيم المباركة من شهر رمضان، وبينما تتوضأ القلوب بالسكينة وتتهيأ الأرواح لارتشاف طهر اللحظة عند أذان المغرب، أبت آلة الموت الحوثية إلا أن تجعل من دماء اليمنيين قرباناً لمشروعها الكهنوتي المتدثر برداء الدين زوراً وبهتاناً.

في مديرية حيران بمحافظة حجة، حيث تجتمع البساطة مع الإيمان حول مائدة إفطار واحدة، باغتت قذائف الغدر صيام الأطفال وخشوع الكبار، لتحوّل تلك اللحظة الروحانية إلى مجزرة دامية اختلط فيها تمر الإفطار بأشلاء الطفولة الممزقة.

إن هذه الجريمة ليست مجرد حادث عابر في سجل الحرب، بل فضيحة أخلاقية كبرى تعرّي الصراخ الحوثي الممنهج حول العزة والكرامة ومظلومية الإنسان.

إنها تكشف للعالم أن تلك الفزاعة الإنسانية التي تلوّح بها المليشيات أمام المجتمع الدولي ليست سوى قناع هش يخفي وجهاً قبيحاً لا يرتوي إلا من دماء الأبرياء، ولا يرى في اليمنيين إلا أرقاماً في قوائم الاستهداف، أو وقوداً لنار طموحاته السلالية.

كيف لمدّعي النصرة والسيادة أن يوجّه فوهات مدافعه نحو صدور العُزّل في لحظة هي الأقدس عند الله وعند خلقه؟

وأيُّ عزةٍ تلك التي تُنتزع من بين أنياب اليُتم وصراخ الثكالى فوق موائد غزاها الموت قبل أن يلامسها الصائمون؟

نحن أمام ميليشيا أدمنت المتاجرة بالقضايا الكبرى، واتخذت من الدين مطية للبطش، ومن الكرامة شعاراً للتركيع، بينما تمارس في الواقع انتهاكات جسيمة بحق الإنسان والطفولة والوطن، مستغلة روحانية هذه الأيام لتؤكد أنها أبعد ما تكون عن قيم الإسلام وشيم العرب وأخلاق وأعراف اليمنيين.

إن صراخ أطفال حيران وأشلاءهم المتناثرة قرب مائدة الإفطار في منزل المواطن عادل جنيد ليس مجرد مأساة عابرة، بل هو الحقيقة العارية التي تنسف تلال الزيف الأيديولوجي الذي تراكمه هذه المليشيا عبر آلتها الإعلامية المضللة.

وهو أيضاً البرهان القاطع على أن الإنسان في قاموسها لا قيمة له أمام قدسية السلالة، وأن الوطن بالنسبة لها ليس سوى ساحة رماية لتجريب أدوات الموت القادمة من خلف الحدود.

إن اليمني الوطني الحر الصادق يدرك أن دماء حيران ليست سوى فصل جديد من فصول السقوط الأخلاقي المريع لمن يدّعون الانتماء للدين والقرآن، بينما يرتكبون بدم بارد ما تأنف عنه شياطين الإنس والجن.

سيبقى جرح حجة النازف وصمة عار تطارد قادة هذه المليشيات الإرهابية في دنياهم وآخرتهم، وسيظل شاهداً على أن من يقتل الصائمين على موائد إفطارهم لا يمكن أن يكون نصيراً لمظلوم أو حامياً لكرامة، بل هو الداء الذي استشرى في جسد الوطن.

ولا سبيل للشفاء من هذا الداء إلا بكشف عوار مشروعه الظلامي، وفضح فكر الموت الذي يحمله، حتى تشرق شمس الحقيقة على وطن أنهكته الدماء ولم يفقد بعد قدرته على النهوض.