تقرير: إيران.. لماذا لم تسقط القلعة بعد؟
تساءل الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط ماريوان ر. هاما، عن الأسباب التي حالت دون تحوّل الاحتجاجات المتكررة في إيران إلى انتفاضة شعبية واسعة قادرة على إسقاط النظام، رغم سنوات من السخط الشعبي والأزمات السياسية والاقتصادية.
وفي تقرير نشره "منتدى الشرق الأوسط"، قال الباحث، إن إيران شهدت خلال العقدين الماضيين موجات احتجاج متكررة تحدت السلطة، غير أن أياً منها لم يصل إلى نقطة التحول التي يتغير فيها ميزان الخوف، وتتحرك فيها الجماهير للسيطرة على مؤسسات الدولة وإسقاط النظام.
وأضاف أن استمرار العمليات العسكرية في المنطقة، ومقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من القيادات البارزة، لم يؤدِّ حتى الآن إلى انهيار النظام في طهران.
كما أن الدعوات المتكررة التي أطلقتها جماعات معارضة، إضافة إلى دعوات من شخصيات دولية بينها دونالد ترامب، لحث الإيرانيين على الانتفاض، لم تفضِ إلى حركة شعبية واسعة تهدد بقاء النظام.
احتجاجات متكررة
شهدت إيران خلال السنوات الأخيرة موجات احتجاج واسعة، كان أبرزها في أواخر عام 2025، عندما خرج آلاف الإيرانيين في مدن مختلفة احتجاجاً على ارتفاع التضخم وتدهور الأوضاع المعيشية والقمع السياسي.
واعتبر كثيرون تلك التحركات الأكبر منذ الثورة الإسلامية الإيرانية 1979.
لكن السلطات الإيرانية واجهت تلك الاحتجاجات باتهامات بالتدخل الخارجي، وبحملات أمنية واسعة استخدمت فيها القوة لتفريق المتظاهرين واحتواء الاحتجاجات.
ولشرح أسباب تعثر الاحتجاجات الإيرانية، استحضر الباحث تجربة الانتفاضة العراقية 1991 التي اندلعت بعد حرب الخليج الثانية 1991 ضد نظام صدام حسين، وكان أغلبها جماعات شيعية وكردية مسلحة، حظيت بدعم أمريكي مباشر.
وأشار إلى أن الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الأب دعا العراقيين إلى الانتفاض لإجبار صدام حسين على التنحي، كما ألقت قوات التحالف منشورات تحث السكان على النزول إلى الشوارع وإسقاط النظام.
ويقول الباحث إنه كان في الحادية عشرة من عمره عندما شهد الانتفاضة الكردية في مدينة السليمانية، حيث تمكن السكان خلال فترة قصيرة من السيطرة على مؤسسات الدولة.
كما قام المحتجون بهدم مجسمات الرئيس صدام حسين وتمزيق صوره التي كانت منتشرة في المدن.
وبحلول أواخر مارس 1991، كان نظام صدام حسين قد فقد السيطرة على 14 محافظة من أصل 18 محافظة عراقية، في وقت سيطرت فيه قوات التحالف على الأجواء العراقية، ما حدّ من قدرة الجيش على استخدام الطيران لقمع الانتفاضة.
غير أن تلك اللحظة لم تتحول إلى سقوط فعلي للنظام. فالتردد الدولي، خاصة من جانب الولايات المتحدة، حال دون تدخل أوسع، ما سمح لقوات الحرس الجمهوري باستخدام المروحيات والقوة العسكرية لسحق الانتفاضة، الأمر الذي أسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وتشريد الملايين.
معارضة مشتتة داخل إيران
ويرى الباحث أن هناك فروقاً مهمة بين العراق في مطلع التسعينيات وإيران اليوم. ففي العراق كانت هناك حركات معارضة مسلحة قوية ومنظمة، خاصة بين الأكراد والشيعة، تمتلك شبكات داخل المدن والبلدات.
أما في إيران، فيقول إن السلطات نجحت خلال سنوات طويلة في إضعاف جماعات المعارضة وتقويض المجتمع المدني قبل أن يتمكن من بناء شبكات تنظيمية مماثلة.
وأشار التقرير إلى أن مدى قوة شبكات المعارضة داخل المدن الإيرانية الكبرى لا يزال غير واضح. ورغم ما يتمتع به رضا بهلوي من حضور إعلامي بارز، إلا أن حجم تأثيره الحقيقي داخل إيران غير معروف.
كما أن منظمة مجاهدي خلق الإيرانية تمتلك خبرة قتالية، لكنها تواجه إرثاً سياسياً مثيراً للجدل، وفي الوقت نفسه، يظل من غير المؤكد ما إذا كانت القوى الكردية قادرة على التقدم داخل مناطق سيطرة النظام والحفاظ على مواقعها.
حسابات معقدة
ويشير التقرير إلى أن كثيراً من الإيرانيين قد ينظرون إلى العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية الجارية على أنها استهداف لبلادهم في ظل الخطاب الإيراني التعبوي والتهديدي، وهو ما قد يدفع البعض إلى التردد في الانخراط في أي انتفاضة خوفاً من اتهامهم بالتحالف مع قوى خارجية.
كما أن غياب تحالف دولي واسع أو تفويض أممي واضح للعملية العسكرية يزيد من حالة الغموض حول أهدافها، وهو ما قد يثني كثيرين عن المشاركة في تحركات قد تُفسَّر على أنها جزء من صراع خارجي.
ويؤكد الباحث أن أجهزة الأمن الإيرانية لم تظهر حتى الآن أي مؤشرات على التفكك. ويقول إن الأنظمة التي تحتفظ بولاء أجهزتها الأمنية عقائديا، نادراً ما تسقط بفعل الاحتجاجات السلمية وحدها.
ويرجح أن يتمكن النظام الإيراني من الصمود، كما حدث مع نظام صدام حسين بعد عام 1991، لكنه قد يصبح أكثر عزلة وتشديداً للقبضة الأمنية.
ويخلص التقرير إلى أن التاريخ مليء بأنظمة بدت مستقرة قبل أيام قليلة فقط من سقوطها، مؤكداً أن لحظة التحول، عندما تأتي، تكون غالباً مفاجئة وسريعة.