منظمات إنسانية تكشف تعرضها لضغوط حوثية لإعادة توجيه الدعم الإنساني وفرض قوائم مستفيدين
كشف مسؤولون في منظمات وجمعيات إنسانية يمنية عن تعرضها لضغوط مباشرة من مليشيا الحوثي الإرهابية التي تسيطر على العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات الشمالية منذ أواخر 2014م، بهدف تسخير أنشطتها لصالح أنشطتهم الطائفية والعسكرية.
وأفادت مديرة جمعية أهلية في شمال اليمن، في تقرير نشره موقع (BBC NEWS عربي) بأن منظمتها خسرت نحو 90% من دخلها واضطرت إلى تسريح معظم موظفيها البالغ عددهم 450 شخصاً، بعد أن رفضت -على حد قولها- ضغوطاً من مليشيا الحوثي للاستحواذ على جزء من مساعدات مخصصة لأسر فقيرة.
وأضافت، مشترطة عدم الكشف عن هويتها لدواعٍ أمنية، أن 1600 أسرة حُرمت من تحويلات نقدية بعدما انهارت الحملة الإغاثية إثر خلاف بشأن قوائم المستفيدين.
وتسيطر مليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء وأغلب مناطق شمال البلاد منذ انقلابها المسلح على النظام في 21 سبتمبر/أيلول 2014، ما أدى إلى اندلاع حرب بين الحوثيين المدعومين من إيران من جهة والحكومة المعترف بها دولياً المدعومة من التحالف العربي الذي تقوده السعودية، من جهة ثانية، تسببت في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية عالمياً.
وتقول مديرة الجمعية، إن مانحاً دولياً وافق على دعم 1600 أسرة، لكن السلطات المحلية طالبت -بحسب روايتها- بإعادة تخصيص مساعدات 300 أسرة لقوائم أخرى "من اختيارهم".
وعندما طلبت إحالة الأمر إلى المانح، توقفت الحملة بالكامل ولم تتلق أي أسرة دعماً، موضحة أن منظمتها كانت تشرف حتى عام 2024 على 13 مشروعاً يخص المرأة والطفل، ولم يبقَ اليوم سوى مشروع واحد "بشق الأنفس"، حد تعبيرها.
وأشارت إلى أن الخوف يمنع كثيرين من الحديث، وأن المجتمع المدني المستقل "لم يعد مرغوباً فيه"، محذّرة من أن انسحاب المنظمات الدولية واحتجاز الموظفين واشتراطات التصاريح يضع ملايين الأسر أمام مستقبل غامض في بلد يعتمد نصف سكانه تقريباً على المساعدات للبقاء.
تبييض الانتهاكات
شهادات مماثلة أدلى بها مسؤولون وعاملون في منظمات محلية ودولية تحدثوا عن تأخير تصاريح العمل، وفرض قوائم مستفيدين، وتقييد حركة الفرق الميدانية، واشتراط وجود مرافق للموظفات أثناء توزيع المساعدات.
قال مدير منظمة "سياج" السابق، أحمد القرشي، الذي غادر البلاد عام 2018، إنه رفض عرضاً للعمل مع مليشيا الحوثي مقابل تمويل ومقر جديد، معتبراً أن ذلك كان سيجعل منظمته "غطاءً لتبييض الانتهاكات". مشيراً إلى أن الرفض أعقبه تضييق ومصادرة ممتلكات المنظمة.
وتزامنت الضغوط مع تراجع التمويل الدولي، خصوصاً بعد قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مطلع 2025 إعادة تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية، ما دفع مانحين أمريكيين إلى الانسحاب.
تقول مسؤولة في منظمة دولية إن أي دفعات تُفرض كرسوم أو ضرائب قد تُعرّض أنشطة الإغاثة لمخاطر قانونية، مضيفة أن العقوبات على مؤسسات مالية فاقمت صعوبات التحويلات وأربكت النظام المصرفي، وفقاً للتقرير.
وفي مؤشر على اتساع الأزمة، أعلن برنامج الأغذية العالمي أنه سيُنهي عملياته الممتدة لعقود في شمال اليمن بحلول نهاية مارس/آذار المقبل.
وكان البرنامج قد قدّم مساعدات لأكثر من ثمانية ملايين شخص في 2024، محذراً من أن 37% من الأسر اليمنية عانت من حرمان شديد من الغذاء بحلول نهاية 2025.
كما علّقت منظمة انقذوا الأطفال ولجنة الإنقاذ الدولية عملياتهما في الشمال خلال العام الجاري. فيما تقول الأمم المتحدة إن 73 من موظفيها "محتجزون تعسفياً" لدى مليشيا الحوثي، بعضهم منذ 2021.
وفي السياق، أكد وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية توم فليتشر أن احتجاز عمال الإغاثة "يؤثر بشكل بالغ على عملياتنا".
ويتذكر عاملون سابقون حالات وفاة لموظفين أثناء الاحتجاز في 2023 و2024، ما عمّق المخاوف ودفع بعضهم إلى مغادرة مناطق سيطرة الحوثيين.
وللتغطية على هذه الانتهاكات والجرائم، سعت مليشيا الحوثي إلى إجراءات مضادة بهدف التضليل والتغطية على انتهاكاتها، حيث اتهمت المختطفين العاملين في المنظمات بالعمل لصالح "أجندة خارجية".
وفي خطاب متلفز في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قال زعيم المليشيا عبد الملك الحوثي، إن بعض أنشطة المنظمات "خطيرة وعدوانية"، في اتهامات رفضتها الأمم المتحدة.
يأتي ذلك في الوقت الذي تقوم فيه قيادات تابعة للمليشيا تتولى مناصب رفيعة في سلطة الحوثي، بتحميل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية مسؤولية توقف أنشطتها وتطالبها بتقديم خدماتها، في خطابات تتعارض مع الاتهامات وتكشف زيف الادعاءات.