المختلون عقلياً في اليمن.. ظاهرة تتفاقم بين الحرب والانهيار الاقتصادي وغياب الرعاية

منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2014، دخل المجتمع مرحلة غير مسبوقة من الضغوط المركّبة التي لم تقتصر على الدمار المادي، بل امتدت بعمق إلى البنية النفسية للسكان.

القصف، والنزوح، وفقدان مصادر الدخل، وتفكك الأسر، والخوف الدائم من المجهول، كلها عوامل تراكمت على مدى أكثر من عقد لتخلق بيئة خصبة لانتشار الاضطرابات النفسية والعقلية، في ظل هشاشة النظام الصحي وتراجع مؤسسات الدولة.

تؤكد تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية، أن المجتمعات التي تعيش نزاعات مسلحة طويلة الأمد تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الاكتئاب، واضطرابات القلق، واضطراب ما بعد الصدمة، إضافة إلى الاضطرابات الذهنية الحادة.

وفي اليمن، حيث تراجعت المنظومة الصحية إلى مستويات حرجة، تحوّلت كثير من الاضطرابات النفسية القابلة للعلاج إلى حالات عقلية متقدمة نتيجة الإهمال وغياب التدخل المبكر والعلاج المنتظم.

في المدن الكبرى مثل صنعاء وعدن وتعز وإب، باتت مشاهد المختلين عقلياً في الشوارع مألوفة بصورة لافتة.

أعداد المشردين في تزايد، وأشخاص يتجولون بلا وجهة، يتحدثون إلى أنفسهم، أو يعيشون في العراء دون رعاية أو حماية.

في بعض الحالات، سُجلت اعتداءات عشوائية على مارة، بينهم نساء وأطفال، نتيجة اضطرابات غير معالجة وانعدام آليات احتواء سريعة.

هذه المشاهد لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءاً من الواقع اليومي الذي يعكس عمق الأزمة الإنسانية والنفسية في البلاد.

الشباب.. الخسارة الأكبر

اللافت في تصاعد الظاهرة أن شريحة واسعة من المصابين باضطرابات عقلية حادة هم من فئة الشباب. هذه الفئة، التي كان يُعوّل عليها في البناء والتنمية، وجدت نفسها أمام واقع اقتصادي خانق، يتمثل في بطالة مرتفعة، وتوقف رواتب في قطاعات واسعة، وانهيار قيمة العملة، وغياب شبه تام لفرص العمل المستدامة.

في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي، تتداخل الضغوط الاقتصادية مع بيئة أمنية مشددة، فضلاً  عن آثار التجنيد والقتال على الصحة النفسية لبعض العائدين من الجبهات. كثير من هؤلاء يعانون صدمات نفسية عميقة دون برامج تأهيل حقيقية، ما يؤدي في بعض الحالات إلى اضطرابات سلوكية أو ذهانية تتفاقم بمرور الوقت.

أما في مناطق الحكومة المعترف بها دولياّ، فإن التدهور الاقتصادي، والانقطاعات المتكررة للخدمات الأساسية، وارتفاع الأسعار بشكل متسارع، كلها عوامل غذّت الإحساس بالعجز والإحباط، خاصة لدى الشباب الذين يعجزون عن تأسيس حياة مستقرة أو إعالة أسرهم.

ورغم اختلاف السياقات الإدارية والسياسية، إلا أن النتيجة الإنسانية متشابهة: ضغوط نفسية متراكمة تدفع البعض إلى حافة الانهيار العقلي.

منظومة صحية عاجزة عن الاستجابة

قبل الحرب، كانت خدمات الصحة النفسية في اليمن قائمة وتؤدي دوراً مقبولاً مقارنة بالوضع الراهن، من حيث عدد الأطباء المتخصصين والمراكز المؤهلة، مع أن أعداد المختلين عقلياً لم تكن بالمعدلات المخيفة.. ومع استمرار النزاع، تعرضت  المنشآت الصحية للتضرر أو الإغلاق، بينما تعمل أخرى بقدرات متدنية للغاية نتيجة نقص التمويل والكادر والأدوية.

المستشفيات النفسية الحكومية القليلة المتبقية تعاني من اكتظاظ شديد، ونقص حاد في الأدوية الأساسية، وضعف في برامج المتابعة والتأهيل المجتمعي.

كثير من الأسر غير قادرة على تحمل تكاليف العلاج في المراكز الخاصة، ما يدفعها إلى إبقاء المريض في المنزل دون علاج متخصص. وفي حالات أخرى، تلجأ بعض الأسر إلى عزل المريض أو تقييده بدافع الخوف أو العجز، في ظل وصمة اجتماعية قوية تحيط بالمرض النفسي.

غياب الملاجئ المتخصصة لإيواء المرضى المشردين يزيد من تعقيد المشهد. فالمريض الذي يفقد الدعم الأسري أو تعجز عائلته عن رعايته يجد نفسه في الشارع، حيث يتحول الاضطراب العقلي إلى تشرد، ويتفاقم المرض بفعل سوء التغذية والتعرض للعنف والإهمال، ما يجعل فرص التعافي أكثر صعوبة.

وصمة اجتماعية تعمّق المعاناة

لا تقتصر الأزمة على ضعف الخدمات الصحية، بل تتداخل مع ثقافة اجتماعية لا تزال تنظر إلى المرض النفسي بوصفه عيبًا أو ضعفاً أو مسّاً بدل اعتباره حالة طبية تحتاج إلى علاج.

هذه النظرة تدفع كثيراً من الأسر إلى إخفاء المرضى أو تأخير طلب المساعدة الطبية، ما يؤدي إلى تفاقم الحالات وتحولها إلى اضطرابات مزمنة أو خطرة.

الوصمة الاجتماعية لا تؤثر فقط على المريض، بل تمتد إلى أسرته التي قد تواجه عزلة أو حرجاً اجتماعياً.

هذا المناخ يعوق أي تدخل مبكر، ويجعل الوصول إلى الخدمات المحدودة أصلاً أكثر تعقيداً، خاصة في المناطق الريفية حيث تكاد خدمات الصحة النفسية تكون منعدمة.

تداعيات إنسانية وأمنية مقلقة

تزايد أعداد المختلين عقلياً في الشوارع يخلق تحديات إنسانية وأمنية في آن واحد. هؤلاء المرضى يعيشون في ظروف قاسية، معرضين للاستغلال أو الاعتداء أو الحوادث المرورية. وفي المقابل، قد تؤدي بعض الحالات غير المعالجة إلى سلوكيات غير منضبطة تسبب احتكاكات مع المجتمع المحيط، في ظل غياب فرق تدخل متخصصة ومدربة على التعامل المهني والإنساني مع مثل هذه الحالات.

النساء المصابات باضطرابات عقلية يواجهن مخاطر مضاعفة، إذ يكن أكثر عرضة للاستغلال والعنف في بيئة تفتقر إلى منظومة حماية فعّالة. كما أن الأطفال الذين ينشأون في أسر يعاني أحد أفرادها من اضطراب عقلي غير معالج يكونون أكثر عرضة للاضطرابات النفسية مستقبلاً، ما يهدد بإعادة إنتاج الأزمة عبر الأجيال.

غياب استراتيجية وطنية شاملة

رغم خطورة الظاهرة واتساعها، لا توجد حتى الآن استراتيجية وطنية متكاملة للصحة النفسية في اليمن تستجيب لحجم الكارثة.

في مناطق سيطرة الحوثيين، تتجه الموارد بشكل أساسي نحو إدارة الصراع، فيما تتراجع الخدمات الاجتماعية والصحية إلى مرتبة ثانوية. وفي مناطق الحكومة الشرعية تعاني المحافظات من ضعف الإمكانات المالية والإدارية لبناء نظام صحي قادر على الاستجابة للطلب المتزايد على خدمات الصحة النفسية.

لا تتوفر حملات توعية واسعة لكسر الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي، ولا برامج دعم نفسي مجتمعي تغطي المحافظات بصورة منهجية.

كما أن إدماج خدمات الصحة النفسية ضمن الرعاية الصحية الأولية ما يزال محدودًا، رغم الحاجة الملحة لذلك في بلد يعيش صدمة جماعية ممتدة منذ أكثر من عقد.

حاجة ملحّة لاستجابة متعددة الأبعاد

معالجة ظاهرة تزايد المختلين عقليًا في اليمن والحد من التشرد المرتبط بها تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الجزئية.

دعم وتمويل المراكز القائمة، وتوسيع نطاقها الجغرافي، وتوفير الأدوية الأساسية، وتدريب كوادر طبية ومجتمعية على الكشف المبكر والتدخل السريع، تمثل خطوات ضرورية للحد من تفاقم الظاهرة.

كما أن إنشاء مراكز إيواء إنسانية تحفظ كرامة المرضى المشردين وتوفر لهم الرعاية الطبية والتأهيل أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل.

غير أن أي جهد طبي سيظل محدود الأثر ما لم يترافق مع تحسين الأوضاع الاقتصادية، وصرف الرواتب بانتظام، وخلق فرص عمل حقيقية للشباب، وإعادة بناء شبكات الأمان الاجتماعي.

في بلد أنهكته الحرب، لم يعد الدمار محصوراً في المباني والبنية التحتية، بل امتد إلى الداخل الإنساني العميق.

تزايد المختلين عقلياً في اليمن ليس مجرد ظاهرة صحية عابرة، بل مؤشر خطير على حجم الانهيار الاجتماعي والنفسي. وبين مناطق سيطرة الحوثيين ومناطق الحكومة، تختلف السياسات ونسب معدلات الحالات، لكن المعاناة واحدة، والحاجة إلى إنقاذ الإنسان اليمني نفسياً وعقلياً باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.