سباق تحت الأرض: كيف تعيد إيران بناء قدراتها النووية بعيداً عن أعين العالم؟

كشفت صور الأقمار الصناعية عن تسارع وتيرة إعادة بناء المنشآت النووية الإيرانية وإخفائها بعد ستة أشهر من الضربات الأمريكية والإسرائيلية في يونيو/حزيران 2025، في ظل تحول استراتيجي يربط البرنامج النووي ببقاء النظام، الذي أظهر استعداده للعنف المفرط لسحق الاحتجاجات الداخلية.

ووفق تحليل نشرته مجلة "ناشيونال إنترست" للكاتبين عيدين بناهي، وإيميلي داي، وحمل عنوان "ضربات المطرقة بعد منتصف الليل: إعادة بناء إيران لبرنامجها النووي كوسيلة لبقاء النظام"، قال إن هذا التوجه تأكد بعد "مجزرة يناير/كانون الثاني 2026"، حيث قتلت قوات الأمن عشرات الآلاف من المتظاهرين في 31 محافظة إيرانية، مما رسخ البرنامج النووي كركيزة أساسية لبقاء الجمهورية الإسلامية. كانت الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، مدفوعة بأزمة اقتصادية حادة وتدهور العملة، لكنها سرعان ما تحولت إلى انتفاضة ضد النظام الديني، قابلها أمر المرشد الأعلى علي خامنئي بـ"سحق الاحتجاجات بكل الوسائل الممكنة"، مما أدى إلى مقتل ما يقدر بنشطاء بأكثر من 40 ألف شخص، وتعتيم شبه كامل على الإنترنت لإخفاء حجم العنف عن المجتمع الدولي.

وأشار التحليل إلى أن إيران تعاني من ضعف هيكلي متزايد؛ فقد انخفض الريال الإيراني إلى مستويات تاريخية، وظل التضخم فوق 40%، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 72% في عام 2025 مقارنة بالعام السابق. تفاقمت هذه الهشاشة بسبب العقوبات الفورية التي فرضتها الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2025 لعدم التزامها النووي، مما زاد من عزلتها الاقتصادية. عسكريًا وجيوسياسيًا، تآكل نفوذ طهران بانهيار نظام الأسد في سوريا وتدمير جزئي لمنشآتها النووية، مع غياب الدعم المادي الفعال من روسيا والصين.

في هذا السياق، لم يعد البرنامج النووي ورقة مساومة بالنسبة للقيادة الإيرانية، بل أصبح ضمانة لبقائها، وهو ما يتجلى في إعادة بناء سري ومحصن للمنشآت. وقد أعلنت طهران رسميًا في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2025 إنهاء التزاماتها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، منهيةً الرقابة الدولية. وفي ظل غياب وصول المفتشين، تظهر صور الأقمار الصناعية أعمال بناء مكثفة لتحصين الأنفاق في منشآت مثل "جبل الفأس" و"أصفهان" ضد الغارات الجوية المحتملة، كما تم بناء أسطح فوق مبانٍ متضررة في أصفهان ونطنز لمنع المراقبة بالأقمار الصناعية.

توكد ناشيونال إنترست أن أكثر ما يثير القلق هو رصد أعمال بناء في موقع "طالقان 2" تشير إلى تجهيزات لاختبار المتفجرات الشديدة، وهو ما ينسجم مع تسليح الأسلحة بدلاً من تطوير الطاقة. وتتزامن هذه الجهود مع حملة قمع استخباراتي واسعة، حيث اعتقلت إيران أكثر من 700 شخص بتهمة التجسس في يونيو/حزيران 2025، مما خلق جوًا من الخوف يعوق الوصول إلى المعلومات الحيوية.

وبحسب ناشيونال إنترست تؤكد هذه العوامل مجتمعة –القمع الشامل، والتستر، وانهيار آليات التحقق– أن النظام غير راغب في الاعتدال أو التفاوض بحسن نية، وأن البرنامج النووي أصبح مرتبطًا بوجوده. التقييمات الفنية تشير إلى أن إيران قد تستعيد قدرة تخصيب كبيرة خلال 12 إلى 18 شهرًا في حال استمرار وتيرة إعادة الإعمار، مما يمنحها وضعًا نوويًا بحكم الأمر الواقع. يجب أن تتوافق السياسة الغربية مع هذا الواقع، عبر دعم مطالب الشعب الإيراني، وتعطيل سلاسل التوريد، واستعادة آليات التحقق، مع التركيز على الردع المستمر للقمع بدلاً من التدخل العسكري المباشر.