11 فبراير… بداية مشروع تفكيك الدولة اليمنية

ما قُدِّم في 11 فبراير/شباط 2011 باعتباره لحظة تحوّل نحو بناء دولة مدنية حديثة، انتهى بعد عقد ونصف إلى واقع مغاير كلياً "دولة منهكة، وسلطة ممزقة، وبلد منقسم فعلياً إلى مناطق نفوذ متناحرة". وبين شعارات التغيير التي ملأت الساحات، وخطوط التماس التي ترسم اليوم خرائط السيطرة، تتقاطع مسؤوليات داخلية مع تدخلات خارجية أسهمت في إعادة تشكيل المشهد اليمني بصورة عميقة.

الأحزاب التي تصدرت المشهد عقب الاحتجاجات فشلت فشلاً ذريعاً في إدارة المرحلة الانتقالية، وانشغلت بصراعات النفوذ وتقاسم المواقع بدلاً من تثبيت أسس الدولة ومؤسساتها.

فبحسب ما يؤكده مراقبون سياسيون، تحولت المرحلة الانتقالية إلى مساحة مساومات سياسية، غابت فيها الرؤية الوطنية الجامعة، فيما ظل السلاح خارج إطار الدولة، واستمرت مراكز القوى التقليدية - التي انشقت عن النظام والتحقت بالاحتجاجات - ممسكة بخيوط القرار الفعلي.

ووفقاً للمراقبين، هذا الفراغ السياسي والمؤسسي لم يظل طويلاً بلا استثمار. ففي 2014 تقدمت مليشيا الحوثي بخطاب ذي طابع احتجاجي، قبل أن تفرض واقعاً جديداً بقوة السلاح، انتهى بسيطرتها على العاصمة صنعاء، وهو الأمر الذي لا يمكن وصفه بتحرك عسكري عابر، بقدر ما ما كان نقطة تحول مفصلية أنهت مساراً انتقالياً هشاً، ومهدت لتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات ضمن مشروع أيديولوجي عابر للحدود.

دعم إيراني للحوثيين

ويرى محللون أن صعود مليشيا الحوثي لم يكن بمعزل عن دعم إيراني سياسي وإعلامي وعسكري، جاء في سياق أوسع من إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية عبر أذرع محلية.

ووفق هذا التقدير، فإن التدخل الإيراني في اليمن لم يبدأ مع اجتياح صنعاء، بل وجد في فوضى 2011 بيئة مناسبة لاختراق البنية السياسية والعسكرية، مستفيداً من انقسام القوى الحزبية وارتهان بعضها لتجاذبات إقليمية ودولية.

ويذهب مراقبون إلى أن طهران أدركت مبكراً أن مشروعها القائم على الولاءات الطائفية لا يمكن أن يتمدد داخل دولة وطنية مستقرة ومتماسكة، بل يحتاج إلى بيئة دولة ضعيفة وممزقة. 

ومن هنا، يقول المراقبون والسياسيون لوكالة "خبر"، جاء دعم دعم مليشيا الحوثي - سياسياً وعسكرياً - كجزء من استراتيجية أوسع تستثمر في هشاشة الداخل اليمني، وتستفيد من إخفاقات النخب الحزبية التي فشلت في تحصين مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية.

تفكك اقتصادي ومؤسسي

في المقابل، لم تقدم بقية القوى السياسية نموذجاً بديلاً متماسكاً. فقد تكرس الانقسام بين سلطات متعددة، لكل منها مؤسساتها الموازية وأجهزتها الأمنية وخطابها السياسي الخاص. وبدلاً من استعادة الدولة، أعادت هذه القوى إنتاج منطق الغلبة وتقاسم الجغرافيا، حتى بات اليمن خريطة نفوذ متداخلة أكثر منه دولة ذات سيادة موحدة.

النتيجة تمثلت في تفكك اقتصادي ومؤسسي عميق، تمثل في، انقسام في البنك المركزي، تدهور في قيمة العملة، تراجع في الخدمات الأساسية، واتساع رقعة الفقر وانعدام الأمن الغذائي.

ومع استمرار الاستقطاب السياسي والعسكري، أصبح الصراع يتجاوز كونه خلافاً داخلياً إلى ساحة تنافس إقليمي بالوكالة، يدفع كلفته المجتمع اليمني أولاً وأخيراً.

وبعد عقد ونصف على انطلاق الاحتجاجات، يتضح أن ما قاد اليمن إلى هذا المسار هو تفاعل معقد بين صراعات حزبية قصيرة الأفق، ومشروع مليشياوي مسلح مدعوم خارجياً، استثمر في الانقسام وعززه حتى تآكلت بنية الدولة من الداخل.