عسكرة الشباب اليمنيين في الحرب الروسية الأوكرانية: من وعود العمل إلى ميادين الموت

في واحدة من أخطر الظواهر الإنسانية التي أفرزتها الحروب المعاصرة، وجد مئات وربما آلاف من الشباب اليمنيين أنفسهم منخرطين في الحرب الروسية ضد أوكرانيا، لا بدافع أيديولوجي أو انحياز سياسي، بل نتيجة مزيج قاتل من الفقر واليأس والاستغلال المنظم. 

شباب غادروا بلداً أنهكته الحرب والانقسام وانهيار مؤسسات الدولة، ليقعوا في فخ عسكرة عابرة للحدود، حوّلت أحلام العمل والدراسة إلى طريق مباشر نحو جبهات القتال.

خلال العامين الماضيين، تزايدت الأنباء عن مقتل يمنيين في أوكرانيا وهم يقاتلون ضمن صفوف الجيش الروسي، وسط صمت رسمي يمني، وضبابية في الأرقام، وغياب أي حماية قانونية أو إنسانية لهؤلاء الشباب أو لأسرهم، ما فتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول طبيعة هذا الاستقطاب، والجهات التي تقف خلفه، والآليات التي حوّلت اليمنيين إلى وقود لحرب لا تعنيهم.

واقع اقتصادي منهار يصنع بيئة مثالية للاستغلال

لا يمكن فهم ظاهرة عسكرة الشباب اليمنيين بمعزل عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي المنهار الذي تعيشه البلاد منذ سنوات. فالحرب الطويلة دمّرت البنية الاقتصادية، ودفعت ملايين اليمنيين إلى دائرة الفقر، وخلقت جيلاً واسعاً من الشباب العاطلين عن العمل، بلا أفق واضح أو فرص حقيقية داخل وطن تتآكل فيه مقومات الحياة.

في هذا السياق القاتم، تحوّل السفر إلى الخارج إلى حلم جماعي، مهما كانت مخاطره. ومع انسداد قنوات الهجرة النظامية، وتوقف فرص العمل المشروعة، أصبحت العروض القادمة من الخارج، حتى الغامضة منها، تبدو للكثيرين طوق نجاة أخيراً، خصوصًا حين تُغلف برواتب مغرية ووعود بحياة أفضل، في مقابل واقع محلي لا يمنح سوى العوز والبطالة.

شبكات تجنيد منظمة تقودها قيادات حوثية

تشير تقارير حقوقية وشهادات ميدانية متقاطعة إلى أن استقطاب الشباب اليمنيين للقتال في صفوف الجيش الروسي لم يكن عملًا فردياً أو حالات معزولة، بل جرى عبر شبكات منظمة ذات امتدادات محلية وخارجية. ووفقًا لمصادر حقوقية، فإن قيادات حوثية في مناطق سيطرتها تولّت قيادة هذا التنسيق، من خلال الإشراف على عمليات الاستقطاب، وتسهيل خروج الشباب من تلك المناطق.

وتؤكد المصادر أن عملية التسفير لا تتم بشكل مباشر إلى روسيا، بل عبر إحدى الدول القريبة من اليمن، تحت مسميات قانونية مضللة مثل فيز أو تأشيرات عمل، باستخدام شركات ومكاتب سفر وتوظيف تحمل غطاءً قانونيًا. ومن تلك الدول، يتم نقل الشباب لاحقًا إلى روسيا، حيث يُزجّ بهم في معسكرات تدريب عسكرية، قبل الدفع بهم إلى جبهات القتال في أوكرانيا.

هذا النمط يكشف عن آلية تجنيد ممنهجة تستفيد من سلطة الأمر الواقع، وضعف الرقابة، وانعدام البدائل الاقتصادية، لتحويل الشباب اليمني إلى مورد بشري لحرب خارجية.

من عقود العمل إلى عقود القتال

بحسب شهادات متطابقة نقلتها مصادر إعلامية وحقوقية، فإن غالبية المجندين لم يسافروا بنية القتال، بل اعتقدوا أنهم متجهون إلى وظائف مدنية في مجالات الحراسة أو الأمن أو الخدمات... غير أن الواقع انقلب رأساً على عقب فور وصولهم، حيث جرى إجبارهم على توقيع عقود عسكرية، أو وضعهم أمام خيارات محدودة، كان أبرزها القبول بالقتال أو مواجهة تبعات قانونية وأمنية قاسية.

ويشير مطلعون إلى أن ضعف اللغة، وعدم فهم العقود المكتوبة بلغة أجنبية، وغياب أي تمثيل قانوني، جعل هؤلاء الشباب أسرى واقع قاسٍ، تتحول فيه الوعود إلى أوامر، والعمل إلى بندقية، والراتب إلى ثمن محتمل للحياة.

استهداف الطلبة اليمنيين في روسيا

لم تقتصر دائرة الاستقطاب على الشباب داخل اليمن، بل امتدت لتشمل طلبة يمنيين يقيمون في روسيا بصورة قانونية. 

وبحسب مصادر خاصة لوكالة خبر، أوضح عدد من الطلبة اليمنيين الذين يدرسون على نفقتهم الخاصة أنهم تعرضوا لضغوط وإكراهات مباشرة وغير مباشرة للالتحاق بصفوف الجيش الروسي والمشاركة في الحرب ضد أوكرانيا.

وأفادت المصادر أن بعض هؤلاء الطلبة جرى استدعاؤهم عبر جهات رسمية أو وسطاء، ووُضعوا أمام خيارات صعبة، تراوحت بين الالتحاق بالخدمة العسكرية أو التهديد بفقدان الإقامة أو تعطيل مسارهم الدراسي. كما جرى إغراؤهم بعدد من الامتيازات، من بينها رواتب مرتفعة مقارنة بظروفهم المعيشية، إضافة إلى وعود بالحصول على الجنسية الروسية أو تسهيلات قانونية طويلة الأمد.

وتكشف هذه الإفادات عن اتساع رقعة الاستغلال لتشمل فئات جاءت طلباً للعلم، لا للمشاركة في نزاع مسلح، ما يضيف بُعداً أكثر خطورة وتعقيداً إلى هذا الملف.

من إب وتعز إلى غابات الجبهات

برزت أسماء محافظات يمنية عدة في هذا الملف، وفي مقدمتها محافظة إب، التي سجلت حالات وفاة متكررة لشباب قضوا في أوكرانيا وهم يقاتلون ضمن صفوف الجيش الروسي. ومن بين تلك الحالات مقتل الشاب محمد أحمد الحداد، الذي غادر اليمن سراً قبل نحو ثمانية أشهر بحثاً عن فرصة عمل، قبل أن تتلقى أسرته قبل ثلاثة أيام نبأ مقتله في إحدى جبهات القتال.

كما تم تسجيل حالات أخرى من محافظات تعز وصنعاء وذمار، بعضها انتهى بالموت، وبعضها بالفقدان، حيث لا تزال أسر يمنية تعيش على أمل الحصول على أي معلومة عن مصير أبنائها، في ظل غياب قنوات رسمية للتواصل أو المتابعة.

انكشاف الملف بعد شهور من الكتمان

ظل استقطاب وتسفير الشباب اليمنيين إلى روسيا طي الكتمان لفترة طويلة، ولم ينكشف للرأي العام إلا مطلع عام 2025، عندما ظهرت مقاطع مصورة على منصات التواصل الاجتماعي لشباب يمنيين داخل مناطق القتال، يطلقون مناشدات إنسانية عاجلة لإنقاذهم.

تلك المقاطع، التي قيل إنها صُوّرت من داخل غابات ومواقع اشتباك بين روسيا وأوكرانيا، أحدثت صدمة واسعة، حيث ظهر الشباب بملابس عسكرية، يروون كيف خُدعوا بعقود عمل ودراسة، قبل أن يجدوا أنفسهم في قلب حرب لا يعرفون عنها سوى القذائف والموت.

أرقام غامضة وخسائر بلا توثيق

لا توجد أرقام رسمية دقيقة حول عدد اليمنيين المنخرطين في القتال، غير أن تقديرات غير رسمية تشير إلى أن العدد قد يتجاوز الألف مقاتل. 

أما أعداد القتلى والمفقودين، فلا تزال غير معروفة، في ظل غياب أي آلية يمنية رسمية لمتابعة الملف أو توثيق الضحايا.

هذا الغموض يضاعف من معاناة الأسر، ويحوّل المأساة إلى خسائر صامتة تمر دون مساءلة أو اعتراف.

أبعاد حقوقية وإنسانية خطيرة

وصفت منظمات حقوقية ما يجري بأنه استغلال فج للهشاشة الاقتصادية والإنسانية، معتبرة أن عمليات التجنيد تندرج ضمن ممارسات الاتجار بالبشر والتجنيد القسري. وطالبت بفتح تحقيقات دولية حول دور الوسطاء والجهات التي سهّلت عمليات الاستقطاب والتسفير.

كما حذرت من أن استمرار هذه الظاهرة يهدد النسيج الاجتماعي اليمني، ويكرّس تحويل الشباب إلى وقود لحروب الآخرين.

مأساة مفتوحة على المستقبل

تمثل عسكرة الشباب اليمنيين في الحرب الروسية الأوكرانية واحدة من أكثر النتائج قسوة لتقاطع الفقر مع الحروب الدولية. شباب خرجوا بحثًا عن حياة أفضل أو شهادة علمية، فسقطوا قتلى أو مفقودين، أو ظلوا عالقين في جبهات لا يعرفون طريق الخروج منها.

وبين صمت رسمي، وتورط شبكات تجنيد، وغياب حماية دولية، يبقى هذا الملف مفتوحًا على مزيد من الضحايا، ما لم تُتخذ خطوات جادة لوقف الاستغلال، ومحاسبة المتورطين، وإنقاذ من تبقى من شباب اليمن.