ذكرى حصار السبعين يومًا.. صنعاء بين ملحمة الصمود الجمهوري وتحديات عودة الإمامة بنسختها المعاصرة

تحل ذكرى حصار السبعين يومًا على صنعاء، بوصفها إحدى أبرز المحطات المفصلية في التاريخ اليمني المعاصر، حيث يستعيد اليمنيون ملحمة الصمود الجمهوري التي جسّدت الدفاع عن النظام الجمهوري في مواجهة محاولات إسقاطه وإعادة الحكم الإمامي.

 وفي صدارة تلك الذاكرة الوطنية يبرز اسم الفريق حسن بن حسين العَمْري كأحد القادة العسكريين الذين ارتبطت أدوارهم المباشرة بإدارة المعركة وتعزيز صمود العاصمة خلال الحصار الذي امتد من أواخر 1967م حتى 8 من فبراير 1968م يوم كسر الحصار.

مثّل حصار صنعاء اختبارًا وجوديًا للجمهورية الفتية، إذ وجدت نفسها محاطة بقوى ملكية مدعومة إقليميًا، سعت لإسقاط العاصمة كمدخل لإنهاء النظام الجمهوري. 

وفي تلك الظروف المعقدة، برز الدور العسكري والتنظيمي للقيادات الجمهورية، وفي مقدمتهم العمري، الذي تولّى مسؤوليات قيادية أسهمت في تثبيت خطوط الدفاع، وإدارة الموارد المحدودة، والحفاظ على تماسك القوات المدافعة في ظل نقص الإمدادات وشدة الضغوط الميدانية.

لم تكن معركة السبعين يومًا مواجهة عسكرية فحسب، بل معركة هوية سياسية ومشروع دولة. فقد انتهت بفشل القوات الملكية في اقتحام صنعاء، ورسّخت بقاء الجمهورية، لتتحول إلى رمز وطني يتجاوز بعدها العسكري إلى دلالات السيادة والاستقلال ورفض عودة الحكم السلالي.

غير أن استحضار هذه الذكرى اليوم يكتسب بُعدًا سياسيًا راهنًا، في ظل ما يصفه مراقبون بعودة أنماط حكم ذات طابع سلالي–مذهبي عبر سيطرة مليشيا الحوثي على العاصمة منذ سبتمبر 2014م.

 ويشير مراقبون إلى تشابهات بين الخطاب الأيديولوجي للتيار الإمامي التاريخي وبعض المرتكزات الفكرية لمليشيا الحوثي، خصوصًا في ما يتعلق بحصر “الحق في الحكم” في سلالة بعينها، وإعادة إنتاج بنية سلطوية تقوم على الاصطفاء الديني.

ويرون بالتاريخ السياسي اليمني أن المفارقة تكمن في أن العاصمة التي صمدت سبعين يومًا دفاعًا عن الجمهورية، أصبحت بعد عقود تحت سلطة مليشيا يصفها خصومها بأنها تمثل “نسخة معاصرة” من المشروع الإمامي، وإن اختلفت الأدوات والسياقات.

 ويؤكد ناشطون أن استحضار الذكرى وقائد الانتصار، وفي مقدمتهم الفريق حسن العَمْري القائد العام للقوات المسلحة ورفيقه عبدالرقيب عبدالوهاب رئيس الأركان وكافة أبطال الجمهورية في تلك الملحمة الاسطورية، لم يعد مجرد توثيق تاريخي، بل جزء من صراع رمزي حول هوية الدولة اليمنية بين مشروع جمهوري مدني، ومشروع ذي مرجعية دينية–سلالية.

وتظل ذكرى الحصار محطة جامعة في الوجدان الوطني، تُستحضر فيها تضحيات المقاتلين والمدنيين الذين تحملوا الجوع والقصف والعزلة دفاعًا عن خيار الجمهورية، كما تُستعاد فيها أسماء القادة الذين ارتبطت مسيرتهم بتلك اللحظة، باعتبارها صفحة حاسمة في مسار الدولة اليمنية الحديثة، ومعيارًا يُقاس عليه مسار الحاضر وتحولاته.