تغول النفوذ الحوثي ينهش "رئة إب".. نهب منظم واستحداثات عشوائية في محمية وادي عَنّة
تُعتبر محمية وادي عَنّة منطقة طبيعية محمية في مديرية العدين بمحافظة إب، تتميز بتنوع بيئي وزراعي، وغطاء نباتي كثيف وأشجار معمّرة، وتخضع لقرارات رسمية تمنع البيع والبناء والاستحداثات العمرانية بهدف الحفاظ على التوازن البيئي وحماية الأراضي الزراعية ومصادر المياه وضمان حقوق السكان المحليين.
تشهد محمية وادي عَنّة تدهوراً غير مسبوق، في ظل ما يصفه ناشطون ومواطنون بـفشل إداري فاضح تتحمل مسؤوليته المباشرة إدارة المحمية، وعلى رأسها مديرها محمود عبدالواحد الشهاري ونائبه نبيل العقاب، بعد أن تحولت المحمية من مساحة يفترض أن تكون محمية بالقانون إلى ساحة مفتوحة للعبث والتدمير المنهجي.
ويؤكد سكان محليون أن صمت إدارة المحمية وتراخيها المستمر إزاء ما يجري من انتهاكات جسيمة أسهم في تفاقم الوضع، وفتح الباب أمام تجاوزات خطيرة طالت الأرض والإنسان والطبيعة، في مشهد يعكس غياب الدور الرقابي وتخلّي الإدارة عن مسؤولياتها القانونية والأخلاقية.
انتهاكات علنية وصمت إداري مريب
تشير إفادات ميدانية إلى أن المحمية تشهد حفر آبار عشوائية وبناء مخالف داخل نطاق محمية طبيعية، إلى جانب قطع الأشجار المعمرة والزحف العمراني المتسارع وزراعة القات في مناطق محظورة، وكل ذلك يجري بشكل علني ومكشوف دون أي تحرك جاد من إدارة المحمية أو حتى إصدار موقف توضيحي للرأي العام.
ويرى مواطنون من أبناء مدينة العدين أن أهم أسباب فشل إدارة المحمية هو عدم قدرتها على تبني أي موقف لرفض تلك الممارسات والاعتداءات التي تطول المحمية من قبل نافذين قبليين وحوثيين، الأمر الذي يجعل إدارة المحمية تلتزم الصمت والتجاهل.
ويرى مراقبون، أن هذا الصمت الطويل لا يمكن تفسيره إلا باعتباره عجزاً إدارياً خطيراً، وإدارة فقدت هيبتها ودورها، وتركت المحمية تُستنزف يوماً بعد آخر في ظل تغوّل النفوذ وغياب الردع، مؤكدين أن المناصب العامة ليست تشريفاً ولا غطاءً للصمت، وأن من يعجز عن حماية محمية طبيعية لا يملك الأحقية في إدارتها.
مبادرات مجتمعية تُقابل بتواطؤ رسمي
ورغم الجهود التي بذلها ناشطون بيئيون ومبادرات مجتمعية محلية لدعم وتشجيع سكان محمية وادي عَنّة على الزراعة المستدامة والحفاظ على الغطاء النباتي، إلا أن هذه الجهود تصطدم بواقع مغاير، يتمثل في السماح غير المعلن بزراعة شجرة القات داخل نطاق المحمية.
وتؤكد مصادر محلية، أن بعض الأطراف شرعت في استحداث مزارع قات داخل أراضٍ مصنفة كمحمية طبيعية، بتواطؤ مباشر وضوء أخضر من السلطة المحلية وإدارة المديرية وإدارة أمن مديرية العدين، في مخالفة صريحة لقرارات الجهات المختصة التي تحظر زراعة القات داخل المحميات لما لها من آثار بيئية ومائية مدمرة.
ويحذر مهتمون بالشأن البيئي من أن زراعة القات تمثل أحد أخطر التهديدات التي تواجه المحمية، نظراً لاستهلاكها الكبير للمياه وإسهامها في تدهور التربة وتشجيع التوسع الزراعي غير المنضبط على حساب النباتات المحلية.
تجريف للأراضي ونسف لمقومات البيئة
وتكشف إفادات الأهالي أن الاعتداءات لم تقتصر على الاستيلاء على الأراضي، بل امتدت إلى جرف مساحات زراعية واسعة واقتلاع الأشجار المثمرة والغطاء النباتي الطبيعي داخل نطاق محمية وادي عَنّة، في محاولة لفرض استحداثات عمرانية عشوائية تشمل بناء منازل ودكاكين، في انتهاك صارخ لطبيعة المنطقة وتصنيفها البيئي.
وبحسب المواطنين، فإن هذه الممارسات تمثل نسفاً مزدوجًا للحقوق، حيث تُصادر ممتلكات المواطنين الخاصة بالقوة، وفي الوقت ذاته يُدمَّر النظام البيئي للمحمية بما يحمله من تنوع نباتي ووظائف طبيعية أساسية تتعلق بحماية التربة وتنظيم المياه والحفاظ على التوازن البيئي.
ويؤكد مختصون أن تحويل أراضٍ زراعية داخل محمية طبيعية إلى كتل أسمنتية يُعد جريمة بيئية مكتملة الأركان، ويؤدي إلى تدهور طويل الأمد يصعب تداركه، خصوصاً في منطقة تُعد من أهم الرئات الخضراء في اليمن.
نهب منظم واستقواء بالنفوذ
وتشير شهادات متطابقة من أهالي المنطقة إلى أن محمية وادي عَنّة تتعرض حالياً لعمليات نهب وسطو منظم، تقف خلفها قيادات حوثية وأخرى متحوثة نافذة في المديرية، وبتمويل مباشر، مستغلة حالة الفوضى الإدارية وغياب الرقابة المؤسسية.
وبحسب إفادات الأهالي، فإن هذه الاعتداءات تستهدف أراضي مواطنين معظمهم من الفئات المهمشة التي تعتمد على الزراعة كمصدر وحيد للعيش، ويواجهون تعصباً وعنصرية بشعة واستقواءً بالنفوذ القبلي والأمني والحوثي، حيث تُستخدم سلطات إدارة المديرية وإدارة الأمن وعدد من المكاتب التنفيذية كغطاء لتسهيل الاستيلاء على الأراضي بدلاً من حماية القانون وحقوق المواطنين.
وتصف مصادر محلية ما يجري بأنه نمط ممنهج لإعادة توزيع الأراضي بالقوة، يجمع بين النفوذ السلالي والقبلي والسلطوي، ويستهدف الفئات الأضعف اجتماعياً، في انتهاك صارخ لحقوق الملكية ولمبادئ العدالة والمساواة وللقوانين المنظمة للمحميات الطبيعية.
اتهامات بسوء إدارة وتعيينات غير مؤهلة
وتشير بلاغات وشهادات ناشطين بيئيين إلى أن إدارة محمية وادي عَنّة أُوكلت خلال الفترة الماضية إلى أشخاص غير مؤهلين مهنياً وفنياً، ولا يمتلكون الخبرة البيئية أو الإدارية اللازمة لإدارة محمية طبيعية ذات حساسية عالية.
وبحسب مصادر محلية، فإن قرارات التعيين جاءت على أساس المحسوبية والمجاملات، مع تهميش واضح للخبرات والكفاءات المتخصصة في مجالات البيئة والموارد الطبيعية، ما انعكس سلباً على أداء الإدارة وأفقد المحمية الحد الأدنى من الحماية المؤسسية، وأسهم في تسهيل الاعتداءات والتجاوزات داخل نطاقها.
بلاغ رسمي ومطالب بالمحاسبة
وكشف بلاغ رسمي تقدم به الناشط وأحد أبناء المنطقة عبدالحميد الحكمي، الخميس، عن اعتداءات وأعمال تخريب وبناء غير قانونية طالت أراضي واقعة ضمن نطاق محمية وادي عَنّة الطبيعية، في انتهاك صريح للقوانين والقرارات المنظمة للمحميات.
وأوضح الحكمي، في بلاغه المرفوع إلى سلطات محافظة إب، أن الأرض المعتدى عليها تقع في منطقة محظور فيها البيع أو الشراء أو البناء بموجب قرارات صادرة عن وزارة الزراعة والري، وأن أعمال التخريب بدأت قبل يومين ولا تزال مستمرة حتى يوم أمس الجمعة باستخدام معدات ثقيلة.
وأشار البلاغ إلى تواطؤ جهات أمنية محلية، حيث جرى السماح للمعتدين بمواصلة البناء، بل والإفراج عن معدات كانت محتجزة مقابل مبالغ مالية، ما أتاح للمعتدين العمل ليلاً ونهاراً تحت حماية أمنية.
وحمل البلاغ إدارة محمية وادي عَنّة المسؤولية عن هذه التجاوزات، مطالباً بالإيقاف الفوري لكافة أعمال البناء والتخريب، وفتح تحقيق عاجل وشفاف، وإحالة المتورطين إلى النيابة العامة، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الاعتداء، وتعويض الأضرار، واتخاذ إجراءات رادعة تضمن حماية المحمية من أي اعتداءات مستقبلية.
ويؤكد مراقبون أن استمرار هذا العبث في ظل هذا الإهمال يستدعي تدخلاً عاجلاً وحازماً، ومحاسبة حقيقية لكل من ثبت تقصيره أو تواطؤه، قبل أن تتحول محمية وادي عَنّة إلى ذكرى بيئية مهدورة، وتضيع معها واحدة من أهم الثروات الطبيعية في اليمن.