القلق الحوثي من الجنوب إلى الشمال: لماذا يرى الحوثيون في سقوط الانتقالي تهديداً وجودياً؟
أعاد التصريح الصادر عن مليشيا الحوثي في صنعاء، مؤخراً، والذي اعتبرت فيه أن أي غارة على أي شبر من الأراضي اليمنية تمثل عدواناً صريحاً، فتح باب التساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذا الخطاب، لا سيما مع تزامنه مع تطورات ميدانية وأمنية متسارعة في محافظة حضرموت، وتحديداً في منطقة الخشعة، وما رافقها من تصريحات لافتة لمحافظ حضرموت سالم الخنبشي.
هذا التزامن بين الخطاب الحوثي والتطورات الجنوبية لم يأت، وفق مراقبين، من فراغ، بل يعكس حالة قلق متنامية لدى المليشيات الحوثية من تحولات سياسية وميدانية باتت تهدد منظومة الانقلاب برمتها، وليس نفوذ الحوثيين في الشمال فحسب.
ورغم أن التصريح الحوثي قُدِّم بصيغة سيادية شاملة، إلا أن قراءات سياسية ترى فيه رسالة مزدوجة؛ ظاهرها موجه للخارج، وجوهرها يعكس مخاوف داخلية من انهيار توازنات ظلّت المليشيا تستفيد منها لسنوات.
وحدة الانقلاب.. تحالف الضرورة لا القناعة
منذ انقلاب عام 2014، لم يكن المشهد الانقلابي في اليمن أحادي البنية، بل تشكله من أذرع متعددة، لكل منها مشروعه وأدواته، غير أنها التقت مرحلياً عند هدف مشترك يتمثل في إضعاف الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية.
وفي هذا السياق، شكّل المجلس الانتقالي الجنوبي، بالنسبة للحوثيين، رديفاً موضوعياً للانقلاب، وإن اختلفت الشعارات والخلفيات السياسية.
ويؤكد محللون أن هذا التلاقي لم يكن نابعاً من قناعة مشتركة، بل من مصلحة مؤقتة فرضتها معركة إسقاط الدولة.
ويحذر هؤلاء من أن أي تراجع لنفوذ الانتقالي في الجنوب، أو انهيار لمشروعه، لن يكون حدثاً معزولاً، بل سيقود إلى تصدع شامل في بنية الانقلاب، ويفتح المجال أمام الشرعية لاستعادة زمام المبادرة سياسياً وأمنياً.
حضرموت.. كسر المعادلة الصامتة
في خضم هذا المشهد، برزت محافظة حضرموت كعنوان لتحول لافت، بعد إعلان محافظها سالم الخنبشي انطلاق “عملية استلام المعسكرات”، مؤكداً أنها إجراء وقائي يستهدف حماية الأمن والاستقرار، وليس عملية هجومية أو إعلان حرب.
وشدد الخنبشي على أن العملية موجهة حصرياً للمعسكرات والمواقع العسكرية، وتُنفذ بشكل سلمي ومنظم، دون استهداف المدنيين أو المكونات السياسية، مؤكداً أن حضرموت كانت وستظل أرض السلام والحكمة.
وفي تطور ميداني بارز، أعلن المحافظ السيطرة على معسكر اللواء 37 في منطقة الخشعة، مع التحرك باتجاه مدينة سيئون لاستكمال استلام المواقع العسكرية، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة سياسية بقدر ما هي أمنية.
صنعاء تحت هاجس الاستدارة الاستراتيجية
يرى مراقبون أن التصعيد الحوثي في الخطاب لا يعكس قوة ميدانية بقدر ما يعكس حالة توجس من متغيرات داخلية، في مقدمتها احتمال نجاح نموذج أمني منضبط في الجنوب، بعيداً عن الفوضى والانقسامات.
فالحوثي، الذي استفاد طويلاً من حالة التشظي داخل معسكر الشرعية، يدرك أن أي إعادة تموضع أو تقارب داخل هذا المعسكر، خصوصاً في الجنوب، ستقود إلى استدارة استراتيجية باتجاه الشمال، وتُسقط واحدة من أهم ركائز بقائه.
الرسالة الخفية: الدفاع عن المشروع لا عن الأرض
اللافت في الخطاب الحوثي الأخير غياب الحديث عن حماية المدنيين أو الالتزامات القانونية، مقابل التركيز على توصيف شامل لأي عمل عسكري باعتباره “عدوانًا”، في محاولة لإضفاء شرعية سياسية وأخلاقية على مشروعه الانقلابي.
ويرى محللون أن هذا الخطاب يهدف إلى: تثبيت معادلة ردع سياسية قبل أن تكون عسكرية، وطمأنة الحلفاء الضمنيين بأن منظومة الانقلاب لا تزال متماسكة.. بالإضافة إلى التحذير من أن سقوط أي ضلع من أضلاع الانقلاب سيؤدي إلى انهيار المنظومة كاملة.
الشرعية والفرصة التاريخية
في المقابل، يرى متابعون أن هذا القلق الحوثي يكشف عن فرصة حقيقية أمام الشرعية لاستعادة مشروعها الوطني، شريطة توحيد القرار، وإنهاء الازدواجية، والانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه.
ويؤكد هؤلاء أن المعركة في جوهرها ليست جغرافية، بل صراع بين مشروعين: مشروع الدولة والجمهورية، في مواجهة مشروع الكهنوت والتشظي والانقسام.
لذا، فإن التصريح الحوثي الأخير يعكس حالة خوف أكثر مما يعكس حالة قوة. فالمليشيا التي اعتادت توظيف الانقسامات لصالحها، باتت تدرك أن سقوط الرديف الانقلابي في الجنوب سيعني، بالضرورة، اقتراب ساعة المواجهة الحاسمة في صنعاء. وبين خطاب التهديد وواقع القلق، يظل السؤال مفتوحاً: هل تلتقط الشرعية هذه الإشارات، أم تتركها تمر كما مرّت فرص سابقة؟