خفض معدلات القبول الجامعي.. هل يعالج أزمة التعليم في اليمن أم يكرّس انهياره؟
في الوقت الذي تتنافس فيه الجامعات العالمية والعربية على رفع جودة التعليم، وتعزيز الاعتماد الأكاديمي، والدخول في التصنيفات الدولية، يفاجأ الوسط الأكاديمي في اليمن بقرارات تخفض الحد الأدنى للقبول الجامعي إلى مستويات غير مسبوقة، مع تمديد صلاحية شهادة الثانوية العامة لسنوات طويلة، وكأن أزمة التعليم العالي تكمن في معايير القبول، لا في الظروف التي أوصلت الجامعات إلى ما هي عليه اليوم.
إن انخفاض أعداد المتقدمين للجامعات اليمنية حقيقة لا يمكن إنكارها، لكنه ليس نتيجة ارتفاع معدلات القبول، ولا بسبب ضعف رغبة الشباب في التعليم، بل هو انعكاس مباشر للكارثة الاقتصادية التي تعيشها البلاد منذ سنوات. فقد أدى توقف رواتب مئات الآلاف من الموظفين، واتساع رقعة الفقر، وارتفاع تكاليف المعيشة، واستمرار الحرب، وانهيار القدرة الشرائية للأسر، إلى حرمان آلاف الطلاب من مواصلة تعليمهم الجامعي، رغم امتلاكهم الطموح والكفاءة.
ولهذا فإن تخفيض معدلات القبول لا يعالج أصل المشكلة، بل يخفي آثارها فقط. فالطالب الذي عجز عن دفع رسوم الدراسة أو تكاليف المواصلات لن تحل مشكلته بمجرد خفض الحد الأدنى للقبول. إن العلاج الحقيقي يبدأ بتحسين الظروف الاقتصادية، ودعم الطلاب الفقراء، وتوفير المنح والإعفاءات، وليس بتقليل المعايير الأكاديمية التي تمثل آخر خطوط الدفاع عن جودة التعليم.
فالجامعة ليست مبنى هدفه ملء المقاعد الدراسية، وإنما مؤسسة وطنية مهمتها إعداد الكفاءات وصناعة العقول. وكل تراجع في معايير القبول يجب أن يكون مدروساً بعناية، لأن أثره لا يقتصر على دفعة واحدة من الطلاب، بل يمتد إلى سوق العمل، وإلى مستوى المهن، وإلى مستقبل التنمية في البلاد.
إن انخفاض الإقبال على الجامعات له أسباب أخرى لا تقل أهمية، أبرزها فقدان الثقة بقيمة الشهادة الجامعية في ظل غياب العدالة في التوظيف، وانتشار المحسوبية، وضعف ارتباط كثير من البرامج الأكاديمية باحتياجات سوق العمل. فالطالب اليوم لا ينظر إلى الجامعة باعتبارها طريقاً مضموناً لبناء مستقبله، بل يتساءل: ماذا سأجني بعد أربع أو خمس سنوات من الدراسة إذا كانت فرص العمل لا تعتمد على الكفاءة؟
ومن هنا فإن معالجة المشكلة بتخفيض معدلات القبول تشبه معالجة الحمى بكسر ميزان الحرارة؛ إذ تختفي الأرقام بينما يبقى المرض قائماً.
أما تمديد صلاحية شهادة الثانوية العامة لعشرات السنين، فهو قرار يستوجب مراجعة علمية دقيقة، خاصة في التخصصات التطبيقية والهندسية والطبية والعلمية، حيث تتطور المعرفة والتقنيات بوتيرة متسارعة. ومن المنطقي أن يخضع من انقطع عن الدراسة سنوات طويلة لبرامج تأهيل أو اختبارات تحديد مستوى قبل الالتحاق بالجامعة، حفاظاً على جودة العملية التعليمية.
إن التعليم العالي لا يُقاس بعدد المقبولين، وإنما بجودة الخريجين. فالجامعات المرموقة في العالم لا تتنافس على زيادة أعداد الطلاب بقدر ما تتنافس على جودة برامجها، وكفاءة مخرجاتها، وإنتاجها العلمي، ومكانتها الأكاديمية. أما إذا أصبحت الأولوية هي ملء القاعات الدراسية بغض النظر عن مستوى الإعداد الأكاديمي، فإن الجامعة ستفقد تدريجياً رسالتها الحقيقية.
ولا يعني رفض تخفيض معدلات القبول حرمان الطلاب من حقهم في التعليم، بل على العكس، فإن العدالة الحقيقية تقتضي أن يحصل كل طالب على فرصة تعليم جيدة تحفظ له قيمة شهادته بعد التخرج. وهذا لا يتحقق إلا من خلال دعم الطلاب المحتاجين، وتحسين التعليم قبل الجامعي، وتطوير المناهج، وربط البرامج الأكاديمية بسوق العمل، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص في التوظيف.
إن اليمن اليوم لا يحتاج إلى خفض سقف المعايير، بل إلى رفع مستوى السياسات التعليمية. فالأمم لا تنهض بكثرة الشهادات، وإنما بكفاءة أصحابها. وكل قرار يمس جودة التعليم يجب أن يُنظر إليه باعتباره قراراً يمس مستقبل الدولة بأكملها، لا مجرد إجراء إداري لمعالجة انخفاض أعداد المتقدمين.
إن الحفاظ على هيبة الشهادة الجامعية ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو استثمار في مستقبل الوطن. وإذا كانت الحرب قد أرهقت الإنسان اليمني، فإن الواجب هو دعمه ليواصل تعليمه، لا أن نخفض معايير التعليم بحجة الظروف الاستثنائية. فالأزمات تزول، أما آثار تراجع جودة التعليم فقد تبقى لعقود.
إن إصلاح التعليم يبدأ بمعالجة أسباب العزوف عن الجامعة، لا بتخفيض شروط الالتحاق بها. فدعم الأسرة، واستعادة الرواتب، وتحسين الاقتصاد، وتطوير الجامعات، وربط التعليم بالتنمية وسوق العمل، هي السياسات التي تبني وطناً قوياً. أما الاكتفاء بخفض معدلات القبول، فقد يزيد عدد الطلاب على الورق، لكنه لن يزيد عدد الكفاءات التي يحتاجها اليمن في معركة البناء والتنمية.