"كهبوب" تحت النار.. معركة المرتفعات التي ترسم حدود النفوذ حول باب المندب
عادت جبال كهبوب المطلة على باب المندب إلى واجهة المشهد العسكري في اليمن، مع اندلاع مواجهات عنيفة بين القوات الحكومية ومليشيا الحوثي خلال الأيام الأخيرة، في وقت تسعى فيه الأخيرة إلى تثبيت مواقعها على الساحل الغربي وتعزيز مكاسبها في المنطقة المحيطة بأحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتشير مصادر ميدانية إلى أن مليشيا الحوثي شنت هجمات متكررة على المرتفعات والتباب المحيطة بكهبوب، إلا أن القوات الحكومية أعلنت صد تلك الهجمات ومنع تحقيق اختراق ميداني، وسقوط عشرات القتلى في صفوف مليشيا الحوثي.
كهبوب.. مرتفعات تطل على باب المندب
لا تكمن أهمية كهبوب في طبيعتها الجبلية فحسب، وإنما في موقعها الجغرافي الذي يمنح الطرف المسيطر على مرتفعاتها قدرة أفضل على مراقبة مساحات واسعة من الساحل والممرات المؤدية إليه.
وتقع المنطقة ضمن نطاق جغرافي يربط المرتفعات الداخلية بالساحل الغربي، فيما تمتد محاور القتال باتجاه الوازعية وجبال الأغبرة ومديرية المضاربة في محافظة لحج. وتشير تقارير ميدانية حديثة إلى أن المعارك تتركز في عدد من المرتفعات والتباب المحيطة بكهبوب، مع استخدام المدفعية والطائرات المسيّرة والغارات الجوية في بعض محاور القتال.
وتجعل هذه الجغرافيا من كهبوب نقطة ذات قيمة عسكرية في أي محاولة لتأمين الساحل أو قطع خطوط الإمداد والتحرك بين الداخل والمناطق الساحلية.
هجمات متكررة ومحاولات لتثبيت المواقع
بحسب مصادر ميدانية نقلت عنها وسائل إعلام يمنية وعربية، كثفت المليشيا خلال الأيام الماضية محاولاتها للتقدم نحو مواقع القوات الحكومية في محيط كهبوب، في مسعى لتأمين مواقعها الجديدة على الساحل وتعزيز دفاعاتها في العمق المحاذي لباب المندب.
في المقابل، قالت القوات الحكومية إنها تمكنت من صد الهجمات ومنع مليشيا الحوثي من تحقيق تقدم في المواقع التي تسيطر عليها. وأعلنت قوات العمالقة، تدمير أربع مركبات تابعة للحوثيين في المنطقة، فيما تحدثت عن استهداف تجمعات للمقاتلين بواسطة مسيّرات.
كما أفادت مصادر أخرى بمقتل عشرات الحوثيين خلال المعارك الأخيرة، من بينهم قيادات ميدانية.
معركة كهبوب في سياق أوسع
وتبدو جبهة كهبوب، في التطورات الحالية، إحدى النقاط التي اصطدم عندها التوسع الساحلي الحوثي بخطوط دفاع القوات الحكومية والقوى المتحالفة معها.
لماذا تكتسب السيطرة على كهبوب أهمية خاصة؟
تنبع أهمية المنطقة من ثلاثة عوامل رئيسية:
أولاً: الموقع الجغرافي
تتيح المرتفعات المشرفة على الساحل مراقبة التحركات في الطرق والممرات الواقعة بين الجبال والساحل، كما توفر للطرف المسيطر عليها ميزة دفاعية في مواجهة أي محاولة للتقدم من أحد الاتجاهين.
ثانياً: حماية الساحل وخطوط الإمداد
السيطرة على المرتفعات المحاذية للساحل تساعد في حماية الطرق التي تربط المواقع الساحلية بالمناطق الداخلية، وتجعل أي تقدم عسكري على أحد المحاور أكثر ارتباطاً بالسيطرة على المرتفعات المجاورة.
ثالثاً: القرب من باب المندب
يُعد باب المندب ممراً بحرياً بالغ الأهمية لحركة الملاحة بين البحر الأحمر وخليج عدن، ولذلك فإن أي تغير عسكري واسع في محيطه لا يقتصر تأثيره على الجبهة اليمنية، بل يحمل تداعيات أمنية واقتصادية أوسع.
هل تتجه المعركة نحو لحج وعدن؟
رغم ارتباط كهبوب جغرافياً بالمحاور المؤدية إلى لحج وعدن، فإن المعطيات المتاحة لا تقدم دليلاً مستقلاً على أن القتال الحالي يمثل بداية هجوم بري وشيك باتجاه عدن.
والأقرب، وفق قراءة التطورات الميدانية المعلنة، أن الأولوية المباشرة تتمثل في تثبيت مواقع السيطرة الساحلية وتأمين العمق المحاذي لباب المندب، إلى جانب اختبار دفاعات القوات الحكومية على المرتفعات التي تشكل حاجزاً منيعاً أمام أي توسع باتجاه الشرق.
وفي هذا السياق، فإن السيطرة على كهبوب أو الضغط عليها يمكن أن تمنح أي طرف أفضلية في إدارة المحاور الممتدة نحو شمال لحج، لكنها لا تعني تلقائياً القدرة على الانتقال إلى عملية واسعة باتجاه عدن، إذ تفصل بين هذه المناطق مسارات جبلية ومراكز دفاعية ومحاور إمداد متعددة.
الوازعية والأغبرة.. جبهة مترابطة
وتتزامن معارك كهبوب مع مواجهات في غرب تعز، خصوصاً في الوازعية والمناطق الجبلية المحيطة بها، وهو ما يعكس ترابطاً عملياتياً بين جبهة الساحل والجبهات الداخلية.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن المواجهات امتدت من الوازعية باتجاه كهبوب وجبال الأغبرة، وسط محاولات متبادلة للسيطرة على المرتفعات والطرق التي تربط هذه المناطق. كما تحدثت مصادر عن تحركات لتعزيز مواقع القوات الحكومية في محاور جبلية أخرى مرتبطة بالطريق بين التربة وتعز.
هذا الترابط يجعل معركة كهبوب جزءاً من معادلة أوسع: تأمين الساحل من جهة، وحماية طرق الإمداد والمنافذ البرية المؤدية إلى تعز ولحج من جهة أخرى.
باب المندب في قلب التصعيد الإقليمي
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن والمنطقة تصعيداً متزامناً، مع تزايد الاهتمام الدولي بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية.
وتفيد تقارير حديثة بأن مليشيا الحوثي عززت حضورها في مناطق استراتيجية قريبة من باب المندب، بالتزامن مع تحركات عسكرية وتطورات إقليمية أوسع. كما تحدثت تقارير عن استخدام الرادارات ومواقع المراقبة في محيط الممر البحري، وهي معلومات تحتاج، مثل غيرها من التفاصيل العسكرية المتداولة، إلى التحقق المستقل قبل اعتمادها بصورة قاطعة.
وفي المقابل، فإن استمرار القتال حول المرتفعات المطلة على المضيق يضيف بعداً جديداً للصراع، إذ لم تعد المعركة مرتبطة فقط بالسيطرة على أراضٍ داخلية، وإنما باتت تتصل أيضاً بموقع استراتيجي يؤثر في أمن الملاحة وحركة التجارة الدولية.
ما الذي قد تحمله الأيام المقبلة؟
يبقى السيناريو الأكثر وضوحاً في المدى القريب مرتبطاً بمحاولة كل طرف تثبيت خطوطه الحالية ومنع الطرف الآخر من تحويل المكاسب الموضعية إلى تقدم أوسع.
وبالنسبة للقوات الحكومية، فإن منع الحوثيين من توسيع نطاق سيطرتهم من الساحل باتجاه المرتفعات الداخلية يمثل هدفاً دفاعياً أساسياً، فيما يمثل الحفاظ على خطوط الاتصال بين الساحل ولحج وتعز عاملاً مهماً في منع عزل الجبهات.
أما الحوثيون، فإن تثبيت المواقع التي تمكنوا من الوصول إليها على الساحل، وتأمين محيطها الجبلي، سيكون ضرورياً قبل التفكير في أي توسع جديد. وتشير تحليلات حديثة إلى أن السيطرة على الأراضي الساحلية وحدها لا تكفي، وأن الحفاظ عليها يتطلب تأمين المرتفعات وخطوط الإمداد والتحصينات والمراقبة.
معركة مرتفعات قبل أن تكون معركة مدن
وبناءً على المعطيات المتاحة، تبدو كهبوب في المرحلة الحالية معركة للسيطرة على المرتفعات وممرات الحركة أكثر من كونها مقدمة مؤكدة لهجوم مباشر على عدن.
فالطرف الذي يفرض سيطرته على هذه السلسلة الجبلية لا يحصل فقط على مواقع دفاعية متقدمة، بل يكتسب قدرة أكبر على مراقبة الطرق المؤدية إلى الساحل والتحكم في حركة القوات والإمدادات بين الداخل والواجهة البحرية.
ولهذا فإن نتيجة المعارك حول كهبوب قد تكون ذات تأثير يتجاوز مساحتها الجغرافية المحدودة؛ فاستقرار خطوط القتال فيها سيحدد إلى حد كبير ما إذا كان التصعيد الحالي سيتحول إلى جبهة ثابتة حول باب المندب، أم إلى حلقة جديدة في سلسلة عمليات أوسع تمتد من الساحل الغربي إلى تعز ولحج.
وفي ظل تضارب الروايات العسكرية بشأن الخسائر وحجم التقدم، تظل الصورة الميدانية النهائية مرهونة بما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تغيرات فعلية في مواقع السيطرة، لا بمجرد الإعلانات المتبادلة بين القوات الحكومية ومليشيا الحوثي.