حرب الترددات والبيانات.. لماذا لم تسحب الحكومة الشرعية بساط الاتصالات من تحت أقدام الحوثيين؟

في الوقت الذي تصنف فيه الحروب الحديثة المعلومة والاتصال كأولى جبهات الحسم العسكري والاقتصادي، يبرز ملف قطاع الاتصالات والإنترنت في اليمن كأحد أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل.

 فرغم مرور سنوات على المواجهات الشرسة بين الجيش الوطني اليمني والميليشيات الحوثية، ما تزال الأخيرة تسيطر على المركز الرئيسي للتحكم بالاتصالات في صنعاء. وتستخدم الميليشيا هذا القطاع كسلاح استراتيجي للتجسس، واعتراض الاتصالات العسكرية، وجني مليارات الريالات لتمويل مجهودها الحربي.

هذا الوضع يطرح سؤالاً ملحاً في الأوساط السياسية والشعبية: لماذا تتجاهل الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً –أو تتباطأ– في إنهاء هذا الاحتكار الحوثي رغم امتلاكها عناصر السيادة والاعتراف الدولي؟

 يفكك هذا التقرير الخيوط المتشابكة خلف هذا الملف، كاشفاً العوائق الفنية، والتعقيدات القانونية، والتحركات الأخيرة للشرعية لكسر هذه الهيمنة.

كيف تحول قطاع الاتصالات إلى غنيمة حرب حوثية؟

لم يكن قطاع الاتصالات بالنسبة للحوثيين مجرد مورد مالي إضافي، بل تحول منذ عام 2015 إلى غلاف أمني واستخباراتي عالي القيمة. 

تسيطر المليشيا مادياً وفنياً على مقر المؤسسة العامة للاتصالات وشركة "يمن نت" (المزود الحصري للإنترنت في البلاد) والشركات المشغلة للهاتف النقال.

من الناحية العسكرية والأمنية، أتاح هذا التحكم للميليشيا القدرة على رصد وتتبع تحركات قادة الجيش الوطني ورجال القبائل في المحافظات المحررة عبر تقنيات تحديد المواقع (GEO-location) واعتراض المكالمات. أما من الناحية الاقتصادية، فإن قطاع الاتصالات يمثل ثاني أكبر مصادر الدخل للحوثيين بعد عائدات ميناء الحُديدة، حيث تضخ ملايين الدولارات سنوياً إلى خزائن المليشيا عبر الضرائب، ورسوم التجديد، وباقات الإنترنت، وهي أموال تُستغل مباشرة لتمويل جبهات القتال وتطوير الطائرات المسيرة.

 

جذور المعضلة

يسود اعتقاد شعبي بأن الحكومة الشرعية قادرة، عبر اعترافها الدولي، على قطع الخدمة عن صنعاء أو نقل المقرات فوراً.

لكن الواقع الفني والجغرافي يفرض حقائق مغايرة تماماً؛ المركزية الجغرافية للبنية التحتية، حيث أُسست شبكة الاتصالات اليمنية طوال العقود الماضية بناءً على مركزية شديدة؛ حيث تقع السيرفرات الرئيسية، وبوابات التحكم الدولية (Gateways)، ومراكز البيانات الفنية الحيوية في المربع الأمني بالعاصمة صنعاء.. ومحاولة فصل هذه الشبكة دون بناء بديل متكامل وناضج تقنياً تعني عزل المحافظات المحررة (عدن، تعز، مأرب، حضرموت) برمتها عن العالم الخارجي وعن بعضها.

الفيتو الإنساني الدولي؛ تضغط الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بقوة لمنع أي خطوة تؤدي إلى قطع الاتصالات عن مناطق سيطرة الحوثيين التي يقطنها ملايين المدنيين. 

وترى هذه المنظمات أن عزل المجتمع اليمني عن الإنترنت سيتسبب في شلل تام للمستشفيات، والعمليات الإغاثية، والتحويلات المالية المغذية للأسر الفقيرة، مما جعل المجتمع الدولي يتعامل بحذر شديد مع أي قرارات سيادية للشرعية في هذا الصدد.

البيروقراطية الدولية وتواطؤ الشركات؛ حيث ترفض اتحادات الاتصالات الدولية (مثل الاتحاد الدولي للاتصالات ITU) والشركات العالمية المالكة للكابلات البحرية (مثل كابل AAE-1) التعامل مع طلبات نقل الإدارة إلى عدن ما لم تفرض الحكومة الشرعية سيطرة فنية ومادية كاملة على الأرض. 

هذا الموقف الدولي الرمادي مكن الحوثيين من الاستمرار في تمثيل قطاع الاتصالات اليمني خارجياً واستلام السعات الدولية.

 

 التحديات الداخلية

لا يمكن إعفاء الحكومات المتعاقبة للشرعية من المسؤولية؛ فإلى جانب العوائق الفنية، واجهت الشرعية لسنوات تحديات الإرادة السياسية والانقسامات الداخلية. 

تشتت القرار بين المكونات المنضوية تحت مظلة الشرعية أدى إلى تعثر مشاريع حيوية.

على سبيل المثال، أُطلقت شركة "عدن نت" كبديل حكومي لإنترنت "يمن نت"، لكن المشروع عانى من ضعف التمويل، والفساد الإداري، والقدرة الاستيعابية المحدودة التي لم تتجاوز بضعة آلاف من المشتركين في نطاق جغرافي ضيق، بدلاً من أن تكون شبكة وطنية تغطي كافة المحافظات المحررة. كما أن غياب الاستثمار الجريء في قطاع الاتصالات طوال العقد الماضي منح الحوثيين الوقت الكافي لتحديث منظوماتهم الاستخباراتية وتأمين مواقعهم.

استراتيجية كسر الاحتكار بدلاً من الإسقاط

أمام استحالة السحب الفوري للبنية التحتية من صنعاء، غيرت الحكومة الشرعية استراتيجيتها نحو إفشال الاحتكار عبر البدائل المستقلة. وتجلت هذه الاستراتيجية في خطوتين رئيسيتين: ضربة "ستارلينك" الفضائية.. حيث، يمثل إعلان الحكومة الشرعية عن تفعيل خدمة الإنترنت الفضائي "Starlink" بالتعاون مع شركة "SpaceX" الخطوة الأكثر جرأة لكسر الهيمنة الحوثية.

 يتيح الإنترنت الفضائي للمؤسسات العسكرية، والدوائر الحكومية، والمواطنين الحصول على إنترنت فائق السرعة دون المرور عبر سيرفرات صنعاء أو الخضوع لرقابة الميليشيا.

 ورغم محاولات الحوثيين حظر هذه الأجهزة وتجريم حيازتها، إلا أن انتشارها الواسع بدأ يسحب البساط الفني والاقتصادي تدريجياً من تحت أقدامهم.

نقل البوابات والاستثمار في عدن؛ بدأت وزارة الاتصالات في عدن بالتعاون مع شركات إقليمية ودولية (مثل هواوي) لإنشاء وتطوير بوابات اتصال دولية جديدة ومستقلة تماماً. 

وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع تشديد الإجراءات القانونية لإرغام شركات الهاتف النقال الخاصة على نقل مقراتها وإيراداتها المالية إلى عدن، وتوجيه إنذارات نهائية بسحب التراخيص في حال الاستمرار في دفع الجبايات لصنعاء.

 

هل تنجح الشرعية في كسب الحرب الرقمية

إن ملف الاتصالات في اليمن ليس مجرد قضية فنية أو خدمية، بل هو معركة سيادية من الطراز الأول. وإذا كانت الحكومة الشرعية قد بدت لسنوات طويلة متجاهلة، أو عاجزة عن حسم هذا الملف بسبب القيود الدولية والمركزية الجغرافية لشبكة صنعاء، فإن التحولات الأخيرة تشير إلى إدراك حقيقي لخطورة هذا السلاح.

يتوقف نجاح الشرعية في كسب هذه الحرب الرقمية على مدى جديتها في استكمال البنية التحتية البديلة في المحافظات المحررة، وتقديم تسهيلات تجارية للمواطنين للحصول على البدائل الآمنة، وفرض سيادة القانون على الشركات الخاصة. إن إنهاء الاحتكار الحوثي للاتصالات لن يحرم الميليشيا من مليارات الريالات فحسب، بل سيعيد تحصين الأمن القومي اليمني ويمنح الجيش الوطني الأسبقية الاستخباراتية والمعلوماتية في معركة استعادة الدولة.