الحوثي يصادر وعي اليمن
بينما يلف الصمت عواصم كبرى، وتئن تحت وطأة النسيان تفاصيل يمنية مدمية، يأتي النبأ من صنعاء ليوقظ في كل ذي ضمير غصة لا تنطفئ.
إنها ليست مجرد محاولة جديدة للسطو المادي، بل هي حرب معلنة على الذاكرة والهوية والوعي اليمني؛ حرب تقودها سلطة المليشيا الحوثية التي باتت ترى في القلم بندقية، وفي الكلمة الحرة جبهة عصية على التطويع.
لم يكن مقر "اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين" في صنعاء مجرد جدران وأسقف، بل كان ولا يزال الشاهد الأبهى على مخاض الوحدة الثقافية التي سبقت وحدة الجغرافيا والسياسة بأعوام طويلة. في أروقته، التقت أحلام المبدعين من جنة عدن إلى قمم حراز، وإرث إب وثقافة تعز، وفيه صِيغت أدبيات الحرية والانفتاح، ومنبره كان صوت اليمن المسموع في محافل الفكر العربي والعالمي.
اليوم، وبجرّة قلم عبر إشعارات قضائية، تفتقر لأبسط معايير العدالة والمشروعية، يراد لهذا الكيان التاريخي أن يُخلى، ولتلك المنارة أن تُطفأ.
إن السعي لمصادرة المقر ليس إجراءً إدارياً أو نزاعاً عقارياً كما يحاول البعض تصويره، بل هو تعبير فج عن ضيق -المليشيا بالتعددية الثقافية، ورغبة عارمة في تجريف كل ما يمت بصلة للمجتمع المدني والنقابي المستقل.
إن السطو على مقرات الأدباء والكتاب، وملاحقة حراس الوعي، هو السقوط القيمي والأخلاقي الأكبر.
كما أن الأمم لا تُمحى بانتهاء مواردها الاقتصادية، بل تموت عندما يُغتال عقلها المفكر، ويُقيد لسانها الفصيح، ويُصادر فضاؤها الإبداعي لصالح صوت واحد، ولون واحد، وفكر أحادي شمولي يرفض الآخر.
إننا أمام محاولة صريحة لـتأميم الوعي وتحويل قلاع التنوير إلى مقار لجباية الولاء الطائفي.
هذا الإجراء الصادم يستدعي هبة وطنية، وعربية وإنسانية عاجلة من كل الأحرار والمنظمات الثقافية والحقوقية، وعلى رأسها الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، لوضع حد لهذا العبث الممنهج بمقدرات الحركة الإبداعية اليمنية.
سيبقى اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين برمزيتة، وتاريخه، وأسماء مؤسسيه الكبار، عصياً على الإخلاء والمصادرة؛ فالأفكار لا تُطرد بالأحكام الجائرة، وقامات الفكر لا تنحني أمام عواصف التجهيل. ستظل صنعاء عربية الوجه واللسان، ولن يفلح غبار هذه المرحلة العابرة في طمس ملامحها الحضارية المشرقة.