هندسة "الاستخدام المزدوج".. تقرير دولي يفكك أسرار الضربة العسكرية لمجمع "كارون" الإيراني
كشفت الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مجمع "كارون" للبتروكيماويات في جنوب غرب إيران عن تحول في طبيعة بنك الأهداف، من التركيز على المنشآت العسكرية التقليدية إلى استهداف حلقات الإسناد الصناعي التي يُعتقد أنها تدعم برامج التسلح الإيرانية.
ويرى تقرير نشره منتدى الشرق الأوسط، أن أهمية المجمع لا تكمن في حجمه الاقتصادي، بل في دوره المحوري بإنتاج مواد كيميائية تدخل في صناعات مدنية وعسكرية، وفي مقدمتها برنامج الصواريخ العاملة بالوقود الصلب.
وقال المنتدى في تقرير، إن الضربات التي شنتها إسرائيل على أهداف إيرانية في 8 يونيو/حزيران 2026، رداً على هجمات صاروخية إيرانية، ركزت بصورة أساسية على منشآت عسكرية وبنى تحتية مرتبطة بالأجهزة الأمنية الإيرانية، إلا أن من بين الأهداف التي أثارت اهتماماً واسعاً داخل إيران كان مجمع كارون للبتروكيماويات الواقع في منطقة ماهشهر الاقتصادية الخاصة بمحافظة خوزستان.
وأوضح التقرير، الذي أعده الباحث في شؤون الطاقة والاقتصاد الكلي في إيران، دالغا خاتين أوغلو، أن وسائل الإعلام الإيرانية قدمت الضربة باعتبارها استهدافاً لمنشأة صناعية تمد المصانع المحلية بالمواد الخام، في حين وصف مسؤولون إسرائيليون المجمع بأنه منشأة تابعة للحرس الثوري الإيراني.
تصنيع أنظمة الصواريخ
وطرح التقرير سؤالاً محورياً حول أسباب منح إسرائيل الأولوية لمصنع بتروكيماويات متوسط الحجم، بينما تمتلك إيران عشرات المنشآت الأكبر إنتاجاً. فالمجمع لا ينتج سوى نحو 400 ألف طن متري سنوياً، بما يعادل نحو 0.6% فقط من القدرة الإنتاجية الاسمية للقطاع البتروكيماوي الإيراني، كما أن مساهمته في الصادرات محدودة مقارنة بكبرى الشركات الإيرانية.
ويرى التقرير أن السر لا يكمن في حجم الإنتاج، بل في الطبيعة الاستراتيجية للمواد التي يصنعها المجمع، والتي تمنحه مكانة فريدة داخل المنظومتين الصناعية والدفاعية الإيرانية.
ويُعد كارون المنتج المحلي الوحيد في إيران لمادتي ثنائي إيزوسيانات التولوين (TDI) وثنائي إيزوسيانات ثنائي فينيل الميثيلين (MDI)، بطاقة إنتاجية سنوية مجمعة تبلغ نحو 80 ألف طن.
وتشكل هذه المواد المكونات الأساسية لصناعة البولي يوريثان المستخدم في تطبيقات مدنية واسعة تشمل الأثاث والمراتب ومواد العزل والثلاجات والسيارات والأحذية ومواد البناء، لكنها في الوقت نفسه تدخل في تطبيقات عسكرية ذات أهمية كبيرة.
وأشار التقرير إلى أن المركبات القائمة على البولي يوريثان تؤدي دوراً محورياً في تصنيع أنظمة الصواريخ العاملة بالوقود الصلب، إذ تستخدم في المواد الرابطة ومكونات أخرى أساسية لمحركات الصواريخ، ما يجعلها جزءاً من سلسلة الإمداد المرتبطة بترسانة إيران المتنامية من الصواريخ الباليستية، والتي تمثل أحد أهم عناصر استراتيجية الردع والنفوذ الإقليمي لطهران.
مواد نشطة ووقود دافع
ولا تقتصر أهمية المجمع على إنتاج الإيزوسيانات، إذ ينتج أيضاً نحو 30 ألف طن من الأنيلين وأكثر من 92 ألف طن من حمض النيتريك سنوياً، وهما عنصران يدخلان ضمن سلسلة إنتاج أوسع تشمل الإيزوسيانات والبولي يوريثان.
ورغم الاستخدامات المدنية الواسعة للمادتين في صناعة الأسمدة والأدوية والأصباغ والبلاستيك والمنتجات الصناعية، فإن لهما كذلك تطبيقات عسكرية معروفة، حيث يؤدي حمض النيتريك دوراً رئيسياً في إنتاج المواد النشطة والوقود الدافع، بينما تسهم مشتقات الأنيلين في عمليات تصنيع يمكن أن تخدم الصناعات الدفاعية.
ينتج المجمع قرابة 40 ألف طن سنوياً من النيتروبنزين، المستخدم أساساً مادة خام لإنتاج الأنيلين، ويُصنف بدوره ضمن المواد الكيميائية ذات الاستخدام المزدوج المدني والعسكري.
ووفقاً للتقرير، فإن النظرة الشاملة لإنتاج كارون تظهر أن نسبة كبيرة من مخرجاته تتكون من مواد يمكن توظيفها تجارياً أو عسكرياً، وهو ما يفسر تحوله إلى هدف استراتيجي رغم محدودية مساهمته في إجمالي القدرة الإنتاجية الإيرانية.
وأشار التقرير إلى أن استهداف كارون لم يكن حادثة منفصلة، إذ سبق أن نفذت إسرائيل هجمات على منشآت في عسلوية وماهشهر مطلع أبريل/نيسان، وهما من أبرز مراكز صناعة البتروكيماويات في إيران، ما أدى وفق تقديرات القطاع الصناعي الإيراني إلى تعطيل أو وقف جزء مهم من الطاقة الإنتاجية للقطاع.
وكانت التداعيات الاقتصادية كبيرة، إذ بلغت صادرات إيران البتروكيماوية نحو 14 مليار دولار خلال العام الماضي، ما يجعلها أحد أهم مصادر النقد الأجنبي غير النفطي، بينما تسببت الهجمات الأخيرة في اضطراب الصادرات وحدوث نقص في الأسواق المحلية وارتفاع ملحوظ في الأسعار.
إضعاف عقدة صناعية حيوية
وبحسب التقرير، فإن مجمع كارون تعرض بالفعل لغارة جوية خلال أبريل/نيسان، واستأنف عملياته لاحقاً، غير أن هجوم 8 يونيو/حزيران كان أكثر تأثيراً، إذ أفادت تقارير إيرانية بأن صاروخين أصابا وحدات إنتاج ومرافق تخزين مرتبطة بالكلور، ما أدى إلى توقف العمليات.
ويرى التقرير أن إسرائيل ربما لم تكن تستهدف إحداث أكبر خسارة اقتصادية ممكنة، إذ كان بإمكانها مهاجمة منشآت بتروكيماوية أكبر وأكثر تأثيراً مالياً، لكن الدور الفريد الذي يؤديه كارون في توفير مواد كيميائية تدعم الصناعة المدنية وبرامج الدفاع الاستراتيجية رفع من قيمته العسكرية.
ويستعرض التقرير الخلفية التاريخية للمجمع، موضحاً أنه تأسس عام 2002 بشراكة بين الشركة الوطنية الإيرانية للبتروكيماويات وشركة شيماتور الهندسية السويدية وشركة هانزا كيمي الألمانية، حيث وفرت الشركة السويدية التكنولوجيا المرخصة لإنتاج مادتي TDI وMDI.
غير أن العقوبات الدولية اللاحقة قيدت نقل التكنولوجيا والتعاون الأجنبي، ما دفع إيران إلى تطوير بدائل محلية وتعزيز قدراتها الذاتية في هذا المجال.
ومع مرور الوقت تحول كارون إلى حجر الأساس في سلسلة توريد البولي يوريثان داخل إيران والمنتج المحلي الوحيد للإيزوسيانات، ومع تشديد العقوبات على استيراد المواد الكيميائية والتقنيات المتقدمة ازدادت أهميته الاستراتيجية، إذ باتت منتجاته تدعم قطاعات متعددة تمتد من البناء والصناعة إلى برامج تطوير الصواريخ.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن استهداف مجمع كارون يبدو أقرب إلى عملية تستهدف إضعاف عقدة صناعية حيوية تدعم القدرات الاستراتيجية الإيرانية، أكثر من كونه مجرد ضربة موجهة ضد منشأة بتروكيماوية تقليدية.