عدن.. تحرير الدولار الجمركي.. قرار حكومي واسع التداعيات وسط مخاوف معيشية واقتصادية
أقرت الحكومة اليمنية، خلال اجتماع مجلس الوزراء المنعقد في العاصمة المؤقتة عدن، تحرير سعر الدولار الجمركي، في خطوة قالت الحكومة إنها لن تستهدف بالدرجة الأولى السلع الكمالية وغير الأساسية، ولن يشمل السلع الأساسية المعفاة أصلاً من الرسوم الجمركية، مشدداً على أنه لن يفرض أعباء إضافية مباشرة على المواطنين.
غير أن القرار، وبالرغم من أهدافه المعلنة، يثير مخاوف واسعة بشأن تداعياته المحتملة على الأوضاع المعيشية والاقتصادية والنقدية، في ظل بيئة اقتصادية هشة تعاني من تراجع الإيرادات، وتذبذب سعر الصرف، وضعف القدرة الشرائية للمواطنين، وانقطاع أو عدم انتظام المرتبات في قطاعات واسعة.
تداعيات معيشية واقتصادية محتملة
اقتصادياً، يُتوقع أن يؤدي تحرير الدولار الجمركي إلى ارتفاع كلفة الاستيراد، حتى بالنسبة لبعض السلع التي تُصنّف شكلياً كغير أساسية، لكنها تمس حياة المواطنين بشكل غير مباشر عبر سلاسل التوريد والنقل والخدمات. هذا الارتفاع قد ينعكس تدريجياً على أسعار السلع في الأسواق، بما في ذلك بعض المواد الغذائية والخدمية، نتيجة الأثر التراكمي للتكاليف.
أما معيشياً، فإن أي موجة تضخمية جديدة، حتى وإن كانت جزئية، ستُفاقم من معاناة المواطنين، خصوصاً في ظل فجوة كبيرة بين الأجور ومستويات الأسعار، وهو ما يجعل قرار صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20 بالمائة غير كافٍ بمفرده لامتصاص الصدمة المحتملة.
وعلى الصعيد النقدي، قد يسهم القرار – نظرياً – في تحسين الإيرادات العامة وتقليص الفجوة بين السعر الجمركي وسعر السوق، ما قد يدعم استقراراً نسبياً في المالية العامة، غير أن نجاح ذلك يظل مرهوناً بتوحيد الإيرادات فعلياً وضبط جميع المنافذ دون استثناء، وهو تحدٍ لا يزال قائماً.
المعالجات المطلوبة لتخفيف الآثار
يرى مختصون أن نجاح قرار تحرير الدولار الجمركي يتطلب حزمة معالجات متوازية، في مقدمتها توحيد الإيرادات العامة وتوريدها إلى البنك المركزي، وإحكام السيطرة على كافة المنافذ البرية والبحرية والجوية، ومنع أي استثناءات أو إعفاءات خارج الأطر القانونية.
كما تبرز الحاجة إلى تفعيل رقابة حقيقية وفاعلة على الأسواق، وليس رقابة شكلية، مع نشر قوائم استرشادية ملزمة للأسعار، وتشديد العقوبات على الاحتكار والمضاربة. ويعد تعزيز الشفافية في استخدام الإيرادات الإضافية المتوقعة من القرار عاملاً حاسماً في كسب ثقة الشارع.
إضافة إلى ذلك، فإن توسيع شبكة الحماية الاجتماعية، وضمان انتظام صرف المرتبات والعلاوات، وربط أي إجراءات مالية بتحسين ملموس في الخدمات الأساسية، يمثل شرطاً أساسياً لتخفيف الأثر الاجتماعي والاقتصادي للقرار.
بين الإصلاح والضغط المعيشي
يأتي تحرير الدولار الجمركي في سياق ضغوط مالية كبيرة تواجهها الحكومة، ومحاولات جادة – وفق توصيفها – لإصلاح الاختلالات المتراكمة في النظام المالي والإداري. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار القرار بحد ذاته، بل في كيفية تطبيقه، وتوقيت تنفيذه، وقدرة الدولة على منع تحميل كلفته النهائية للمواطن، في بلد أنهكته الحرب والأزمات المتلاحقة.
ويبقى نجاح القرار مرهوناً بمدى التزام الحكومة بتنفيذ الإصلاحات المرافقة له بشكل متكامل، وتحويله من إجراء مالي مثير للجدل، إلى خطوة إصلاحية حقيقية توازن بين متطلبات الاستقرار المالي وحق المواطنين في العيش الكريم.