تزييف الوعي العربي... أخطر أسلحة الصراع في المنطقة

في غمرة زلال الصراعات التي تضرب منطقتنا العربية لم يعد الصراع مجرد صدام عسكري على تخوم الجغرافيا، بل هو قبل ذلك كان غزواً ناعماً استهدف احتلال العقول قبل العواصم.

نحن اليوم أمام مشهد سريالي، حيث تُرفع شعارات النصرة والذود عن حياض الدين كستار دخاني لمشروع إمبراطوري فارسي بامتياز، لا يرى في الجسد العربي سوى ساحة لتصفية الحسابات، وفي الإنسان العربي سوى حطب لنيران طموحاته العابرة للحدود.

إن المتأمل في خارطة الأذرع الفارسية التي امتدت من بغداد إلى بيروت، ومن دمشق إلى صنعاء، يدرك أننا لا نواجه جماعات عقائدية فحسب، بل نواجه آلة هدم منظمة ادارتها طهران بخبث استراتيجي، مستغلةً للاسف الفراغ الذي تركه غياب العمل العربي المشترك والفاعل.

هذه الأذرع التي تدعي حماية المقدسات، لم تكن يوماً إلا خناجر مسمومة في خاصرة الاستقرار العربي، وأدوات لتمزيق النسيج الاجتماعي تحت دعاوى طائفية غريبة عن روح التسامح الإسلامي.

المفارقة المؤلمة تكمن في تزييف الوعي الذي نجحت الماكينة الإعلامية الإيرانية في تسويقه لبعض العقول العربية؛ حيث صُور الجلاد في هيئة المنقذ.

وهنا تلتقي المصالح في زواج متعة غير معلن بين الخبث الإيراني والمكر الإسرائيلي؛ فكلاهما يقتات على ضعف العرب وتشرذمهم، وكلاهما يرى في تحويل المنطقة إلى غابة من الميليشيات الضمانة المثلى لتفوقه وسيادته.

إن إسرائيل لا تخشى مشروعاً يفتت الدول العربية من الداخل، بل تجد فيه الذريعة الأخلاقية والسياسية لإدامة تداخلاتها واحتلالها وتبرير وجودها ككيان نقي وسط محيط من الفوضى.

أين نحن من كل هذا؟

الحقيقة المرة هي أن الهيئات والاتحادات العربية والإسلامية ما زالت تمارس البيات الشتوي أو تكتفي ببيانات التنديد الخجولة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

إن مواجهة هذا المشروع لا تكون بالخطابات الإنشائية، بل بصناعة مشروع عربي مضاد يملك الفاعلية والقدرة على الجذب، ويستعيد السيادة المسلوبة عبر تحصين الوعي الشعبي في شعوبنا العربية من الأكاذيب المغلفة بغلاف الدين.

لقد حان الوقت لنسمي الأشياء بمسمياتها... ما تفعله طهران في عواصمنا العربية ليس نصرة، بل هو استعمار بالوكالة.

والوعي العربي الذي يرتضي التبعية لهذا المشروع تحت أي ذريعة، هو وعي مخدر يحتاج إلى صدمات وطنية تعيده إلى رشده.

كما إن أمن الخليج العربي واستقرار المشرق ليس بضاعة للمساومة، والدين الإسلامي براء من مشاريع الهيمنة التي لا تخلف وراءها سوى الخراب والدم والبيوت الخاوية.

إن معركتنا الحقيقية هي معركة الوعي؛ فإما أن نستعيد بوصلتنا الوطنية والقومية، وإما أن نبقى شهود زور على ضياع ما تبقى من جغرافيا وتاريخ.

التاريخ لا يرحم الغافلين، والمستقبل لا يصنعه إلا الذين يملكون الشجاعة لتمزيق الأقنعة ورؤية الحقيقة كما هي، بلا تجميل ولا تضليل.