عيدُ اليمن.. جرحٌ في ثوبِ صلاة

يحلُّ عيد الفطر على اليمن هذا العام، ولا يزال المشهدُ يرتدي كفن الوجع.

 عقدٌ من الزمان مضى واليمنيون يقتاتون الصبر في مأدبة القهر، عشر سنواتٍ عجافٍ لم تترك في البيوت نافذةً للفرح إلا وأوصدتها رياح الانقلاب وسموم الحرب. 

ليس العيد في بلادنا مجرد هلال يُرتقب، بل هو مواجهةٌ سنوية صادمة بين ذاكرةِ وطنٍ كان سعيداً، وواقع شعبٍ بات يصارعُ للبقاء على قيد الكرامة.

 

عشر سنوات والحزنُ في اليمن مؤسسة قائمة بذاتها. تبدأ حكاية العيد من المرتبات المقطوعة التي جففت جيوب الآباء قبل مآقيهم، فباتت فرحة الطفل بثوبٍ جديد ضرباً من الخيال أو معجزةً تُستجدى من ركام الحاجة. 

وفي كل زاوية، ثمة حكاية نزوحٍ مرّة؛ أسرٌ افترشت العراء بعد أن كانت بيوتها حصوناً، وشبابٌ تفرقوا في منافي الأرض، يحملون اليمن في حقائب الغربة، يبحثون عن عيدٍ لا يشبه الغياب.

إنَّ أوجع ما في العيد اليمني اليوم، هو تلك الفراغات القاتلة على مائدة الجعالة.

 فراغاتٌ تركها الشهداء الذين غيبهم الثرى، والمعتقلون الذين تطويهم عتم الزنازين بلا ذنب، والجرحى الذين يسندون أجسادهم المتعبة على عكازات الصمود. 

أما ضحايا الألغام، أولئك الذين بترت الحرب أطرافهم وأحلامهم، فينظرون إلى زينة العيد بعيون كسيرة، تتساءل... بأي ذنبٍ سُرقت خطانا؟.

لقد أحدثت سنوات الصراع شرخاً عميقاً في النسيج الاجتماعي، وانهياراً اقتصادياً جعل من لقمة العيش غايةً لا تُدرك.

 لكنَّ العجيب في هذا الشعب العريق، أنه رغم الانتهاكات والتشرد والفقر المدقع، لا يزال يصرُّ على صناعة العيد من العدم.

 يبتسم اليمني وفي قلبه ندبة، ويصافح أخاه وفي كفه أثر التعب، ليثبت للعالم أنَّ روح "سعيد" لا تموت، وأنَّ ليل الانقلاب مهما طال، فلا بد من فجرٍ يغسل أدران الصراع.

إننا لا نكتب اليوم عن عيد تملأه الحلويات، بل عن وطنٍ يملؤه الوفاء لضحاياه.

 هو عيدٌ بلون الدمع، وطعم الصبر، ورائحة البارود المخلوطة بالبخور العدني والبن الصنعاني. 

هو صرخة صامتة في وجه ضمير العالم... "كفى" فاليمن الذي علم الدنيا أبجديات الحضارة، يستحق عصفوراً يغرد فوق مآذنه دون خوف، وطفلاً يركض بقميصه الجديد دون أن تترصده شظية او رصاصة قناص أو لغم.

سيظل العيد في اليمن وقفة عز قبل أن يكون وقفة فرح.

 ومع كل تكبيرة صلاة، يرفع اليمنيون أكفهم للسماء، لا طلباً للحلوى، بل طلباً لوطنٍ استلبه الطغاة، وأنهكته الحروب، لكنه أبداً.. أبداً لن ينكسر.