بسبب شركات التأمين لا الألغام.. لماذا توقفت نبضات الحياة في مضيق هرمز؟

كشفت دراسة بحثية حديثة، أن توقف الملاحة في مضيق هرمز لم يكن نتيجة حصار بحري تقليدي أو انتشار واسع للألغام، بل بسبب عامل أكثر تأثيراً يتمثل في تراجع الثقة لدى شركات التأمين، عقب هجمات محدودة بطائرات مسيّرة استهدفت سفناً تجارية خلال الساعات الأولى من الحرب.

وبحسب الدراسة، التي أعدها الباحث جريج رومان ونشرها منتدى الشرق الأوسط، فإن سحب تغطية مخاطر الحرب من قبل شركات التأمين أدى عملياً إلى وقف حركة ناقلات النفط، ما تسبب في تعطيل نحو خمس الإمدادات اليومية العالمية من النفط وكميات مماثلة من الغاز الطبيعي المسال.

وأشارت الدراسة إلى أن استخدام عدد محدود من الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة مكّن إيران من تحقيق تأثير واسع، تمثل في الإغلاق الفعلي لأحد أهم الممرات البحرية الحيوية في العالم، وهو ما لم تنجح فيه قدراتها البحرية التقليدية سابقاً.

شلل كامل في الملاحة

ووفقاً للورقة البحثية، فقد توقفت حركة النقل التجاري عبر المضيق بشكل شبه كامل حتى منتصف مارس 2026، مع بقاء أكثر من 300 سفينة عالقة داخل الخليج، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط إلى ما يزيد عن 100 دولار للبرميل.

كما امتدت التداعيات إلى الأسواق العالمية، حيث لجأت دول مستوردة للطاقة إلى إجراءات طارئة لتأمين احتياجاتها، في حين تأثرت منشآت إنتاج الغاز بهجمات مماثلة، ما أدى إلى توقف جزئي في الإنتاج.

"حصار تأميني" بدلًا من عسكري

تؤكد الدراسة أن الخطأ الأكثر شيوعاً في تفسير الأزمة يتمثل في اعتبار ما يجري حصاراً بحرياً تقليدياً، بينما الواقع يشير إلى نموذج مختلف يعتمد على رفع مستوى المخاطر إلى حد يمنع شركات التأمين من تغطية السفن.

وتوضح أن استئناف الملاحة لا يرتبط فقط بإزالة التهديدات العسكرية، بل بعودة الثقة إلى أسواق التأمين، بحيث تصبح المخاطر ضمن حدود مقبولة اقتصادياً.

كما تشير تحليلات مراكز طاقة دولية إلى أن إظهار القدرة على استهداف السفن بشكل متقطع يكفي لردع شركات الشحن، دون الحاجة إلى فرض سيطرة بحرية كاملة.

تهديدات مستمرة

ورغم تعرض القدرات البحرية الإيرانية لأضرار كبيرة نتيجة الضربات الجوية، لا تزال طهران تحتفظ بوسائل تهديد فعالة، تشمل الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والأنظمة الساحلية، ما يجعل الممر الضيق في المضيق منطقة عالية الخطورة.

وتؤكد الدراسة أن تأمين الملاحة يتطلب عمليات مستمرة لتقليص هذه التهديدات، إلى جانب تعزيز قدرات مكافحة الألغام، وإنشاء مناطق سيطرة بحرية تقلل فرص الهجمات.

وتستند الدراسة إلى تجارب سابقة، أبرزها عمليات حماية ناقلات النفط في أواخر الثمانينيات، والتي أظهرت أهمية الجمع بين العمليات الدفاعية والهجومية لتأمين الممرات البحرية.

وتشير إلى أن نجاح القوافل البحرية تاريخياً لم يعتمد على القضاء الكامل على التهديدات، بل على خفضها إلى مستويات يمكن إدارتها، وهو ما ينطبق على الوضع الحالي في مضيق هرمز.

وتقترح الدراسة استراتيجية متعددة المسارات لإعادة فتح المضيق، تشمل استمرار العمليات العسكرية المحدودة لتقليص التهديد، وتفعيل مرافقة السفن ضمن ممرات آمنة، إلى جانب إجراءات اقتصادية لتخفيف الضغط على الأسواق.

كما تتناول إمكانية استخدام خطوط أنابيب بديلة لتقليل الاعتماد على المضيق، رغم أن قدرتها لا تكفي لتعويض الكميات الكاملة التي تمر عبره.

ضغط داخلي على إيران

وتلفت الدراسة إلى أن إغلاق المضيق لا يضر بالاقتصاد العالمي فقط، بل ينعكس أيضاً بشكل مباشر على إيران، التي تعتمد على الممر ذاته في صادراتها النفطية ووارداتها الأساسية.

وتشير إلى أن استمرار الإغلاق قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الداخلية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والبيئية التي تواجهها البلاد.

وتخلص الدراسة إلى أن جوهر الأزمة لا يكمن في السيطرة العسكرية على المضيق، بل في استعادة ثقة الأسواق، مؤكدة أن أي جهد لإعادة فتحه يجب أن يُقاس بمدى قدرته على خفض المخاطر إلى مستوى يسمح بعودة التأمين التجاري.

وترى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تنسيقاً بين الأدوات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، ضمن استراتيجية شاملة تعيد التوازن إلى أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.