وراثة الثورة.. ماذا يكشف خطاب مجتبى خامنئي الأول عن مستقبل السلطة في إيران؟

تمثل الرسالة الأولى التي وجهها المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، الخميس، لحظة رمزية في مسار النظام السياسي الإيراني، إذ تأتي عقب مقتل المرشد السابق (والده) في ضربة عسكرية إسرائيلية نهاية فبراير، وما أعقب ذلك من تساؤلات حول مستقبل القيادة في الجمهورية الإسلامية.

وعلى الرغم من أن الخطاب جاء في صيغة تعزية وتعبئة دينية، إلا أن مضمونه يكشف عن مجموعة من الرسائل السياسية المرتبطة بإعادة تثبيت شرعية النظام العقائدي في مرحلة انتقال حساسة.

القراءة التحليلية للخطاب تظهر أنه لا يقتصر على التعبير الرمزي عن الحداد أو الاستمرارية، بل يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين القيادة الدينية والشرعية السياسية ودور المجتمع في منظومة الحكم الإيرانية، ولكن ضمن الصلاحيات التي تحددها الجماعة العقائدية.

في البداية، حاول الخطاب أن يعتمد على إعادة بناء الشرعية بعد مرحلة انتقال مفاجئة، من خلال استحضار الرموز الدينية والتاريخية المرتبطة بتركيبة النظام وبالثورة الإيرانية، بدءاً من الإشارة إلى الإمام الخميني وصولاً إلى تقديم المرشد السابق بوصفه "قائداً عزيزاً حكيماً عظيماً شهيداً"، في تعظيم استثنائي لم تحض بها أي من القيادات التي قُتلت معه في ذات الضربات.

وقبل كل ذلك، استخدام مصطلحات (صاحب الزمان، صاحب العصر) وهي حبكات مذهبية بُني على أساسها النظام الشيعي والايراني تحديداً، ومن دونها ستفقد الجماعات الدينية مفاتيح التوريث في الحكم.

ويؤدي هذا التوصيف وظيفتين سياسيتين أساسيتين تتمثل الأولى في تحويل الحدث السياسي إلى رواية رمزية ترتبط بـ"التضحية والشهادة"، بما يعزز صورة النظام بوصفه مشروعاً عقائدياً لا مجرد سلطة سياسية. أما الوظيفة الثانية فهي تقديم انتقال القيادة كاستمرار طبيعي لمسار الثورة وليس كتحول سياسي قد يثير الجدل داخل المؤسسة الحاكمة أو المجتمع.

ومن خلال هذه المقاربة يسعى الخطاب إلى تقليل أي مساحة محتملة للنقاش حول طبيعة انتقال السلطة أو آلياته.

التواضع الرمزي

حرص المرشد الجديد في خطابه على التأكيد أنه علم بقرار مجلس الخبراء عبر وسائل الإعلام، في إشارة إلى أنه لم يكن مطلقاً على تدارس المجلس للقرار، وأن تولي هذا الموقع يمثل عبئاً ثقيلاً عليه.

ومن وجهة نظر الباحثين، في الأدبيات السياسية المرتبطة بالأنظمة العقائدية، يُعد هذا النمط من الخطاب جزءاً من استراتيجية "التواضع الرمزي" التي تهدف إلى إظهار القيادة الجديدة باعتبارها "مضطرة لتحمل المسؤولية وليس باحثة عنها"، وتقليل المخاوف من انتقال السلطة داخل دائرة محدودة من النخب. وهذا التلاعب النفسي بالخطاب يبعث برسائل إلى المناوئين للنظام بأنه سيتم البطش بكل من يعارض مشروعه أيا كان، وسيتخذ لذلك ذريعة "مواجهة العملاء والمخربين".

في الوقت نفسه، يظل هذا الخطاب محاطاً بتساؤلات سياسية أوسع، خصوصاً في ظل النقاشات المستمرة داخل إيران وخارجها حول طبيعة عملية اختيار القيادة وحدود التنافس داخل النظام السياسي.

خطاب سياسي 

يتكرر في الرسالة وصف "الشعب الإيراني العظيم" ودوره في حماية البلاد خلال الأحداث الأخيرة. غير أن تحليل سياق الخطاب يشير إلى أن مفهوم الشعب هنا يُطرح أساساً في إطار الدور التعبوي.

فالخطاب يركز على ثلاثة أدوار رئيسة للمجتمع هي: الحفاظ على الوحدة الداخلية، والمشاركة في الفعاليات السياسية والتعبوية، ودعم مؤسسات الدولة في مواجهة التحديات الخارجية.

وفي هذا الصدد، يقول الباحثون في الشأن الإيراني، إن هذا التصور في الخطاب ينسجم مع النموذج السياسي للجمهورية الإسلامية، حيث يُنظر إلى المجتمع باعتباره "قاعدة دعم للنظام أكثر من كونه طرفاً مستقلاً في عملية صنع القرار".

خطاب تعبوي

ويتضمن الخطاب إشارات متكررة إلى "العدو" وإلى ضرورة كسر شوكته، كما يربط ذلك بفعاليات مثل يوم القدس.

هذا الخطاب يعكس استمرار إحدى المرتكزات الأساسية للسياسة الإيرانية منذ الثورة، وهو استخدام الصراع الخارجي كعنصر تعبئة داخلي، واستعطاف الحلفاء الخارجيين له.

فتأكيد المواجهة مع الخصوم الإقليميين والدوليين يحقق للنظام عدة أهداف من أبرزها: تعزيز التماسك الداخلي في فترات التوتر السياسي، وتبرير استمرار سياسات التعبئة الأمنية والعسكرية، وإعادة توجيه الاهتمام الشعبي نحو التهديدات الخارجية. وهذا النموذج من السياسات لا يدوم طويلاً أمام صحوة الشعوب. 

كما أن طهران صدرته إلى أذرعها في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، ومليشيا الحوثي في اليمن، وأصبح المضمون التعبوي للخطاب موحداً.

الرمزية الدينية والشرعية الشعبية

من اللافت أن الخطاب يشدد على مفهومي "الجمهور" و"الجمهورية"، في الوقت الذي يبقى فيه مركز السلطة الفعلية متمركزاً في موقع المرشد.

هذا التوازن بين الشرعية الدينية والواجهة الجمهورية يُعد إحدى السمات الجوهرية للنظام السياسي الإيراني، حيث تعمل المؤسسات المنتخبة ضمن إطار تحدده مؤسسة ولاية الفقيه. ولذلك، تظل هشاشة التوازن حاضرة وواضحة، ويبقى الاعتماد على القاعدة الدينية هو الأبرز، باعتباره المبرر الوحيد لديمومة مثل هذه الأنظمة.

وبالتالي، يحاول الخطاب جاهداً الحفاظ على هذا التوازن بين الرمزية الدينية والشرعية الشعبية، كنوع من التغرير بالشعب، وخوفاً من غضبه، لا سيما في ظل تصاعد الاحتجاجات الشعبية في عموم البلاد ضد النظام مؤخراً.

ومن خلال كل ذلك، يمكن القول إن رسالة مجتبى خامنئي الأولى تكشف أن انتقال القيادة في إيران لم يصاحبه تغيير واضح في بنية الخطاب السياسي للنظام، فالمرتكزات التقليدية -مثل استحضار الرموز الدينية، والتركيز على التعبئة الشعبية، واستمرار خطاب المواجهة مع الخصوم- ما زالت تشكل الإطار العام للسردية الرسمية. وأما تنصيبه مرشداً خلفاً لوالده فلا يحمل أي معنى غير "التوريث للثورة والحكم".

وفي ظل التحديات الإقليمية والداخلية التي تواجه إيران، يبدو أن القيادة الجديدة تسعى قبل كل شيء إلى تأكيد الاستمرارية السياسية والأيديولوجية للنظام، مع إعادة إنتاج الأدوات الخطابية التي استخدمت خلال العقود الماضية.