اليمنية.. صبر الأرض

في بلادٍ اعتادت الجبال فيها أن تكون شاهقة، كان طبيعياً أن تكون نساؤها شامخات أيضاً.

في اليمن، لا تبدأ حكاية المرأة من الثامن من مارس، ولا تنتهي عنده.

هذا اليوم، الذي يحتفل فيه العالم بالنساء، يمر هنا كأنه مرآة كبيرة تعكس وجهاً مختلفاً للحياة؛ وجهاً مليئاً بالتعب، لكنه أيضاً مفعم بالصلابة، مثقلاً بالهموم، لكنه لا يزال قادراً على النهوض كل صباح.

فاليمنية ليست مجرد كلمة في نشرات الأخبار، ولا رقماً في تقارير المنظمات، بل حكاية طويلة تشبه طرقات المدن القديمة في صنعاء وإب وزبيد؛ متعرجة، صبورة، وعتيقة.

هي المرأة التي تفتح الباب قبل شروق الشمس، وتغلقه بعد أن ينام آخر أفراد العائلة، وبين الفتح والإغلاق حياة كاملة من الصبر والعمل والقلق.

امرأة تشبه البلاد

في القرى المعلقة على سفوح الجبال، وفي الأحياء القديمة التي ما تزال تقاوم الزمن، تمضي المرأة اليمنية في حياتها كما لو أنها تحمل البلاد كلها على كتفيها.

هي الأم التي تعلم أبناءها كيف يقاومون الخوف، وهي الزوجة التي تحاول أن تجعل من البيت ملاذاً آمناً وسط عالمٍ مضطرب، وهي الابنة التي تكبر سريعاً لأن الحياة هنا لا تمنح طفولة طويلة.

في الحروب، يذهب الرجال إلى الحرب أو تغيبهم الطرق الطويلة للهجرة، لكن النساء يبقين دائماً.

يبقين لحراسة البيوت، ولإشعال المواقد، ولإبقاء الحياة ممكنة مهما كان الثمن.

لهذا تبدو اليمنية في كثير من الأحيان أكثر من مجرد امرأة؛ تبدو كأنها وطن صغير يمشي على قدمين.

عندما مرت الحرب من اليمن، لم تمر فوق الأرض فقط، بل مرت أيضاً عبر القلوب.

تغيرت أشياء كثيرة في حياة النساء.

المدن التي كانت تضج بالحياة صارت أكثر صمتاً، والأسواق التي كانت مزدحمة بالضحكات صارت مثقلة بالهموم، والبيوت التي كانت مليئة بالضيوف صارت أكثر حذراً وأقل ضجيجاً.

لكن المرأة اليمنية لم تتوقف.

استيقظت في اليوم التالي للحرب كما استيقظت في كل الأيام السابقة، وذهبت إلى حياتها كما لو أن عليها أن تثبت للعالم أن الحياة أقوى من الخراب.

في المدارس، كانت هناك معلمات يكتبن الدروس على السبورة رغم انقطاع الرواتب.

في المستشفيات، كانت هناك ممرضات يعملن لساعات طويلة لأن المرض لا ينتظر انتهاء الحرب.

وفي البيوت، كانت هناك أمهات يبتكرن ألف طريقة ليقنعن أطفالهن بأن الغد سيكون أفضل.

ربما لهذا السبب لا تُقاس قوة المرأة اليمنية بالكلمات، بل بالقدرة المدهشة على الاستمرار.

الحكاية التي لا تُروى

نعم هناك شيء لا تقوله التقارير كثيراً... أن المرأة اليمنية تعيش حياتها كما لو أنها تقاوم العالم بصمت.

هي لا تتحدث كثيراً عن التعب، ولا تشتكي طويلاً من الضيق، لكنها تعرف جيداً كيف تحمي بيتها من الانكسار.

في المدن والقرى، يمكن أن ترى امرأة تسير في الصباح الباكر وهي تحمل سلة الخبز، تمضي بخطى هادئة كأنها تعرف الطريق جيداً.

تلك المرأة ربما تحمل في قلبها حكايات كثيرة؛ عن ابنٍ غادر ولم يعد، أو زوجٍ يعمل في مدينة بعيدة، أو حياة كانت أسهل قبل أن تصبح البلاد مسرحاً للأزمات.

ومع ذلك، حين تصل إلى البيت، تضع الخبز على المائدة وتبتسم.

كأنها تقول للحياة... ما زلت هنا.

بين الوجع والكرامة

فعلاً المرأة اليمنية ليست صورة حزينة كما يعتقد البعض.

صحيح أن الحرب أثقلت كاهلها، وأن الأزمات الاقتصادية جعلت أيامها أكثر صعوبة، لكن هناك شيئاً آخر يسكن هذه المرأة.... الكرامة.

كرامة تشبه جبال اليمن، صلبة وصامتة.

لهذا لا تنكسر بسهولة.

حتى في أصعب الظروف، تحافظ اليمنية على طريقتها الخاصة في مواجهة العالم؛ قليل من الصبر، قليل من الدعاء، وكثير من العمل.

قد لا تملك المنابر الكبيرة لتقول ما تريد، لكنها تملك شيئاً أهم... القدرة على حماية الحياة من الانطفاء.

لذا فيوم المرأة… في اليمن عندما يأتي الثامن من مارس، يحتفل العالم بالنساء بالورود والخطابات والاحتفالات.

أما في اليمن، فالأمر مختلف قليلاً. المرأة هنا قد لا تتلقى وردة، لكنها تتلقى اعترافاً صامتاً من الحياة نفسها بأنها استطاعت أن تبقى واقفة رغم كل شيء.

في هذا اليوم، ربما لا تحتاج اليمنية إلى كلمات كثيرة بقدر ما تحتاج إلى أن يتذكر العالم حكايتها الحقيقية؛ حكاية امرأة لم تطلب الكثير من الحياة، لكنها وجدت نفسها مطالبة بحمل الكثير.

في النهاية، يمكن القول إن المرأة اليمنية ليست مجرد ضحية لسنوات الحرب، كما ليست مجرد عنوانٍ في يوم عالمي.

هي ببساطة قلب هذا البلد.

حين تتعب البلاد، تكون هي التي تحاول تضميد جراحها.

وحين تضيق الحياة، تكون هي التي تفتح نافذة صغيرة للأمل.

وحين تبدو الطريق طويلة، تكون هي التي تمضي أولاً.

لهذا، في يوم المرأة العالمي، لا يكفي أن نقول إن اليمنية قوية.

الأدق أن نقول إن اليمن نفسه يقف على كتفيها.