هروباً من الاستحقاقات المعيشية.. مليشيا الحوثي تلجأ للترهيب الأمني لإسكات الأصوات الجائعة

منذ مطلع العام 2026، تشهد مناطق سيطرة مليشيا الحوثي تصاعداً لافتاً في وتيرة الاختطافات التعسفية والإخفاء القسري، في سياق أمني مشدد يعكس توجهاً واضحاً لإحكام القبضة على المجال العام ومنع أي مساحات للنقد أو الاعتراض.

وتشير معطيات حقوقية وإفادات محلية متطابقة إلى أن الأسابيع الأولى من العام الجاري سجلت ارتفاعاً في حالات الاستدعاء والاحتجاز التي طالت ناشطين وصحفيين وأكاديميين، إضافة إلى استمرار احتجاز عشرات المدنيين في قضايا ذات طابع سياسي أو إعلامي.

في العاصمة المختطفة صنعاء ومحافظات إب وذمار والحديدة والمحويت، تكررت أنماط الاختطافات خارج إطار القضاء، حيث جرى توقيف أشخاص من منازلهم أو أماكن عملهم دون أوامر قضائية معلنة، مع احتجازهم في سجون خاصة تابعة لأجهزة الأمن والمخابرات الحوثية ومنعهم من التواصل مع أسرهم أو محاميهم حتى اللحظة.

ويؤكد حقوقيون أن هذه الممارسات تندرج ضمن سياسة منهجية تستهدف ترهيب المجتمع وإيصال رسالة ردع استباقية لأي تحرك معارض.

احتجاز مستمر للمدنيين وموظفين في المجال الإنساني

بالتوازي مع استهداف الناشطين المحليين، يستمر احتجاز عدد من المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، وسط مطالبات متكررة من جهات دولية بالإفراج عنهم وضمان الحد الأدنى من حقوقهم القانونية. وكانت الأمم المتحدة قد جددت خلال الأسابيع الماضية دعوتها للإفراج عن موظفين يمنيين محتجزين في صنعاء، محذرة من أن استمرار احتجاز العاملين في القطاع الإنساني يقوض العمل الإغاثي ويؤثر على ملايين المحتاجين للمساعدات.

كما دعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى تمكينها من الوصول إلى أماكن الاحتجاز وضمان المعاملة الإنسانية للمحتجزين، في ظل تقارير عن أوضاع صحية متدهورة داخل السجون، ونقص في الرعاية الطبية والزيارات العائلية.

حراك رمضاني واسع يكشف حجم الاحتقان

ومع مطلع شهر رمضان الحالي، برز حراك إعلامي وشعبي واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي في مناطق سيطرة المليشيا، تصدره ناشطون وإعلاميون سلطوا الضوء على تفاقم المعاناة المعيشية، واتساع دائرة الفقر، واستمرار انقطاع الرواتب، وارتفاع الأسعار، إلى جانب تصاعد الجبايات والإتاوات المفروضة على التجار والمواطنين تحت مسميات متعددة.

وتداول ناشطون شهادات عن عجز آلاف الأسر عن تأمين احتياجاتها الأساسية خلال الشهر الفضيل، في وقت تتزايد فيه الأعباء المالية المفروضة من قبل مليشيا الحوثي.

هذا الحراك الرقمي اتسم بجرأة غير مسبوقة في انتقاد سياسات الإفقار والتجويع، وكشف ما وصفها ناشطون بمنظومة جبايات ممنهجة تستنزف ما تبقى من قدرة شرائية لدى المواطنين.

ويرى مراقبون أن اتساع نطاق التفاعل مع هذه المنشورات يعكس مستوى متقدماً من الاحتقان الاجتماعي، ويضع المليشيا أمام تحدٍ داخلي متصاعد، خصوصاً مع تزامنه مع ظروف اقتصادية خانقة يعيشها المواطنون في مناطق سيطرتها.

تهديدات مباشرة لناشطين في إب

في هذا السياق، كشف مصدر خاص لوكالة خبر، أن عدداً من الناشطين والإعلاميين في محافظة إب تلقوا خلال اليومين الماضيين اتصالات من قيادات وعناصر أمنية تابعة للمليشيا، تضمنت تهديدات صريحة وإلزاماً بالتوقف عن نشر أي محتوى يتناول معاناة المواطنين أو ينتقد سياسات الجبايات.

وبحسب المصدر، طُلب من بعض الناشطين توجيه خطابهم الإعلامي نحو الترويج لخطابات زعيم المليشيا عبدالملك الحوثي التي تبث في رمضان، وتحميل الحكومة الشرعية والمملكة العربية السعودية مسؤولية التدهور الاقتصادي، مع تحذيرهم من المساءلة في حال استمرارهم في نشر محتوى ناقد. وأكد المصدر أن بعض المتلقين لهذه الاتصالات اعتبروها إنذاراً أولياً يسبق إجراءات أكثر صرامة قد تصل إلى الاختطاف.

ويشير متابعون إلى أن هذه الرسائل تمثل محاولة لإعادة ضبط الفضاء الإعلامي المحلي، وفرض سردية سياسية أحادية، خصوصاً في ظل تزايد الأصوات التي تتناول الأزمة الاقتصادية من زاوية المسؤولية المباشرة لمليشيا الحوثي.

مخاوف من موجة قمع جديدة خلال رمضان

استناداً إلى تجارب سابقة، يرجح مراقبون أن تلجأ المليشيا إلى التصعيد الأمني لاحتواء الحراك الرمضاني، سواء عبر استدعاءات أمنية، أو اختطافات محدودة تستهدف شخصيات اجتماعية بارزة وشخصيات معروفه في المشهد الإعلامي، أو ملاحقة حسابات إلكترونية بحجة التخابر او تحت مسميات  نشر أخبار كاذبة أو الإضرار بالمصلحة العامة.

ويؤكد حقوقيون أن الأشهر الأولى من العام 2026 عكست مؤشرات مبكرة على سياسة تشديد أمني حوثي قد تتوسع خلال الأيام المقبلة، في ظل حساسية الشهر الفضيل وما يصاحبه من نشاط اجتماعي وإعلامي مكثف.

ويرى هؤلاء أن الجمع بين الأزمة الاقتصادية المتفاقمة والحراك الرقمي الناقد يرفع احتمالات الرد الأمني كخيار وحيد لدى المليشيا.

تداعيات إنسانية وقانونية مقلقة

من الناحية القانونية، تمثل الاختطافات خارج إطار القضاء الطبيعي، والإخفاء القسري، والقيود المفروضة على حرية التعبير، انتهاكات صريحة للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

ويشير خبراء قانونيون إلى أن استمرار هذه الممارسات يعمق مناخ الخوف، ويقوض أي إمكانية لوجود مساحة عامة آمنة للنقاش أو النقد السلمي.

إن استمرار احتجاز المدنيين والناشطين دون إجراءات قضائية شفافة، بالتزامن مع الضغوط الاقتصادية المتزايدة، يضع آلاف الأسر أمام معاناة مزدوجة بين الفقر والخوف. ومع اتساع الحراك الإعلامي خلال رمضان، تبدو مناطق سيطرة المليشيا أمام مفترق طرق بين الاستجابة لمطالب الناس أو المضي في خيار القبضة الأمنية.

حتى اللحظة، تتجه المؤشرات نحو السيناريو الثاني، في ظل تحذيرات من موجة قمع جديدة قد تطول وجوهاً إعلامية وناشطين تصدروا مشهد التنديد بسياسات الإفقار والجبايات. وبين تصاعد الاختطافات واستمرار الاحتجاز، يبقى ملف المختطفين في سجون المليشيا مفتوحاً على مزيد من التعقيد، فيما تواصل أسرهم انتظار أي بادرة انفراج في عام بدأ بمزيد من القيود والانتهاكات.