11 فبراير.. حين سقطت الدولة لا النظام: في نقد رومانسية الرويشان السياسية والانتصار لعقلانية العلائي الواقعية
بعد خمسة عشر عاماً على 11 فبراير 2011، لم يعد جائزاً الهروب إلى اللغة العاطفية، ولا الاحتماء ببراءة النوايا. البلاد ممزقة، الدولة منهارة، القرار الوطني مرتهن للخارج ، واليمن خاضعة لقرارات دولية تحت البند السابع. هذه ليست تعثرات انتقال ديمقراطي، بل نتائج انهيار دولة. ومن لا يقرأ الحدث من زاوية نتائجه، يصرّ على تضليل نفسه والناس.
لقد كانت 11 فبراير – بنتائجها الملموسة – نكبة وطنية مكتملة الأركان.
الثورات التي يخلدها التاريخ تُسقط رأس النظام وتحافظ على جسد الدولة.
تُبدّل القيادة لكنها تُبقي الجيش موحداً، والمؤسسات متماسكة، والسيادة مصونة. أما في اليمن، فقد حُطم عمود الخيمة ذاته: الدولة و الجيش، والأمن المركزي، وتوازنات القبائل التي كانت – رغم عيوبها – تمسك بالبلاد داخل إطار الدولة. سقط النظام، وسقطت معه أدوات الضبط، ولم يكن هناك بديل جاهز. فكان الفراغ، وكان الانهيار.
في عهد علي عبدالله صالح لم تكن الدولة مثالية، لكنها كانت قائمة تقدم الحد الادنى من الخدمات .
تستند الى شرعية انتخابية ،ونظام سياسي ديمقراطي تعددي وحرية التغبير والصحافة مكفولة ،والقضاء شبه مستقل ،و كان هناك جيش وطني موحد، ورواتب تُدفع، ومركز سياسي يمسك بخيوط التوازن. لم تكن دولة مؤسسات حديثة، لكنها لم تكن ساحة ميليشيات. وعندما اندلع الحراك في 2011، لم يكن الخطأ في المطالبة بالتغيير، بل في إدارة التغيير بلا عقل دولة.
تم تفكيك اليمن تحت عنوان الفدرلة والاقلمة،وتدمير الجيش تحت شعار “الهيكلة”، وأُدخلت البلاد في انتقال سياسي هشّ قائم على المحاصصة لا على إعادة بناء مؤسسات القوة.
النخب التي تصدرت المشهد – إسلامية ويسارية وقبلية – انشغلت بتقاسم الغنيمة السياسية، بينما كانت الدولة تتآكل من الداخل. الفراغ الذي نشأ لم يكن نظرياً، بل كان أمنياً وعسكرياً، وهو ما أفسح المجال أمام أنsار اللh للتقدم والسيطرة.
في هذا السياق يبرز طرح خالد الرويشان الذي يرى في فبراير حلقة من حلقات التراكم التاريخي، ويقيسها على فبراير 1948، ويعتبر ما جرى مجرد كبوة في مسار طويل نحو الحرية. هذا الطرح، رغم جاذبيته الرومنسية الأدبية، يقع في خطأ منهجي جسيم.
القياس بين فبراير 1948 و2011 قياس مع الفارق. في 1948 فشلت نخبة، وبقي الكيان. سقط الإمام، لكن الإمامة كدولة ونظام بقيت متماسكة، ولذلك كان ممكناً أن تعود المعادلة لاحقاً بصورة أخرى بثورة 1962م.
أما في 2011، فلم يسقط رأس النظام وحده، بل اهتزت وسقطت الجمهورية نفسها، وتفككت الجغرافيا، وتعددت مراكز السيادة. لم يكن هناك مشروع انفصال مسلح في الجنوب عام 48، ولا ميليشيات عابرة للدولة، ولا تدخل إقليمي مباشر يمسك بمفاصل القرار كما حدث بعد 2011.
الرومانسية التي يتبناها الرويشان تخاطب العاطفة الوطنية، لكنها تُخدّر الوعي السياسي. الحديث عن “حتمية التاريخ” و”تراكم النضال” قد يخفف الألم، لكنه لا يعالج الكسر.
السياسة ليست قصيدة أمل، بل إدارة قوة. والتاريخ لا يعيد نفسه لمجرد أننا نتمنى ذلك. إن تبرير الفشل بالمؤامرة وحدها، أو بإلقاء اللوم على “نخبة خائنة”، تبسيط يهرب من الاعتراف بأن الخطأ كان في هندسة السقوط ذاتها.
في المقابل، يقدم محمد العلائي جديد طرحاً واقعياً صارماً. لا يتحدث عن فشل ثورة، بل عن تفكك كيان. لا يحاكم النوايا، بل النتائج. يميز بدقة بين سقوط نظام يمكن تعويضه، وسقوط دولة يصعب ترميمها.
يرى أن تدويل الأزمة لم يكن حماية لليمن، بل نقلاً للصراع إلى مستوى أفقد القرار الوطني استقلاله. وهذا التشخيص، وإن بدا قاسياً، أقرب إلى الحقيقة.
العلائي يدرك أن استعادة الأنظمة أسهل بكثير من استعادة الدول التي تفتتت إلى ميليشيات وهويات متصارعة. يدرك أن عودة المركز بعد انهياره ليست عملية سياسية عادية، بل مسار تاريخي معقد قد يستغرق عقوداً. هذه ليست سوداوية، بل واقعية. والواقعية هي أول شروط العلاج.
لقد أثبتت السنوات الخمس عشرة التى تلت 11فبراير أن ما حدث لم يكن كبوة عابرة، بل كسر في العمود الفقري للدولة.
السيادة موزعة، الجغرافيا ممزقة، الاقتصاد منهار، والجيش الذي كان عنوان الدولة أصبح عنوان انقسامها.
السياسة، في جوهرها، علم النتائج لا علم النوايا. ومهما كانت دوافع شباب فبراير نبيلة، فإن النتيجة الاستراتيجية كارثية.
إن الاعتراف بأن 11 فبراير كانت – بنتائجها – نكبة وطنية ليس دفاعاً عن الماضي، بل دفاع عن الحقيقة. لقد هُدم النظام القديم دون امتلاك خطة لبناء نظام جديد، واستُقوي بالخارج ،ووضعت اليمن تحت البند السابع في لحظة كان الداخل يحتاج إلى ترميم بارد لا إلى شعارات ساخنة.
وعندما يُكسر عمود الخيمة، لا يكفي أن نتغنى بجمال السماء.
يتبع