الحوثي كنسخة مكتملة من الإمامة الزيدية
لا توجد جماعة دينية راديكالية بلا منطلق فكري واضح، حتى وإن حاولت إخفاءه خلف شعارات سياسية أو وطنية مرحلية. فالأفكار والعقائد هي التي تصوغ بنية هذه الجماعات، وتحدد شكل قيادتها، وخطابها العام، وطريقة تعاملها مع المجتمع، كما تبرر العنف الذي تمارسه باسم الدين أو “المشروع”.
وتظهر هذه الحقيقة بأوضح صورها عندما تنتقل الجماعة من موقع الحركة إلى موقع السيطرة. حينها، لا يعود الخطاب قابلًا للمناورة، وتتحول العقيدة من نصوص مؤجلة إلى سياسات مفروض، وهو ما حدث تمامًا مع جماعة الحوثي، التي لم تستطع طويلا الاستمرار في استخدام خطاب التقية للهروب من حقيقتها بوصفها الامتداد المعاصر للإمامة الزيدية.
ترتكز بنية الحوثي على فكرة القائد الرباني، والمرجعية الدينية والدنيوية الملزمة، والمصدر الحصري لفهم القرآن وتحديد “الصواب الإلهي”.
ويجري تكريس هذه الفكرة عبر ربط القائد بخرافة “آل البيت”، وصولا إلى تسميته بابن الرسول، وتحويل معارضته إلى خروج عن الدين لا مجرد خلاف سياسي، وهو عين ماقرره الكهنة منذ الرسي إلى جميع الكهنة بعده.
هذا التصور لا يحتمل التعدد أو الاختلاف، بل يقوم على احتكار الحقيقة الدينية، وتحريم النقد، وشيطنة المجتمع، ورفع التراث الإمامي، خصوصا تراث يحيى الرسي، إلى مرتبة التص المقدس، ثم تُستدعى تلك النصوص لتبرير خرافة الاصطفاء السلالي والعنف والهيمنة.
"والله لو اطعتموني ما فقدتم من رسول الله الا شخصه، كما يقرر الرسي طبابا.
وما تشهده مناطق سيطرة الحوثي اليوم من تطييف قسري، وفرض لمفردات الولاية، وتديين للسياسة، وتسخير للتعليم والمنابر والمناسبات الدينية، هو التطبيق العملي للنظرية الزيدية الإمامية حين تمتلك السلطة.
لهذا، فإن الفصل بين الحوثية والزيدية الإمامية لم يعد ممكنًا إلا في الخطاب التبريري، فالحوثي اليوم هو الزيدية في لحظة انكشافها الكامل: فكرا وسلوكا، خطابا وممارسة، وأي مواجهة تقتصر على البعد العسكري أو السياسي، دون تفكيك هذا الأساس الفكري، ستبقى مواجهة ناقصة، تؤجل الانفجار ولا تمنعه.
المعركة الحقيقية ليست فقط مع جماعة مسلحة، بل مع منظومة فكرية تعيد إنتاج الكهنوت باسم الدين، وتختطف الدولة والمجتمع تحت لافتة “الحق الإلهي”.