في تعز ومأرب.. الإصلاح والنفوذ خارج منطق الدولة

في خضم الحرب اليمنية الممتدة وتعقيداتها السياسية والعسكرية، برز حزب التجمع اليمني للإصلاح، ذراع الإخوان المسلمين في اليمن، كأحد أكثر القوى نفوذاً في مناطق خاضعة للحكومة المعترف بها دولياً، ولا سيما في محافظتي تعز ومأرب. غير أن هذا النفوذ، الذي تشكَّل تحت مظلة “الشرعية” وباسم مواجهة الانقلاب الحوثي، أصبح محل انتقادات واتهامات متزايدة من ناشطين وحقوقيين وصحفيين، تتعلق بملفات فساد وانتهاكات جسيمة، إضافة إلى اتهامات بتقويض منهجي لمهام الدولة لصالح مشروع حزبي ضيق، مرفق بحملة إعلامية منظمة لتبرير تلك الممارسات وتسويقها كجزء من “المشروع الوطني”.

هذا التقرير يرصد أبرز تلك الممارسات، ويقرأها في سياقها السياسي والمؤسسي، بعيداً عن خطاب الخصومة، وقريباً من منطق المساءلة الصحفية.

نفوذ حزبي داخل مؤسسات يفترض حيادها

منذ سنوات، تعزز حضور حزب الإصلاح داخل مفاصل الدولة المدنية والعسكرية في تعز ومأرب، مستفيداً من فراغ السلطة، وضعف البنية المؤسسية، وحالة الاستقطاب الحاد التي فرضتها الحرب. هذا الحضور لم يقتصر على التمثيل السياسي، بل امتد إلى أجهزة الأمن والجيش والسلطات المحلية، ما خلق حالة تداخل غير صحي بين الحزب والدولة.

منتقدو هذا الوضع يرون أن الإصلاح لم يتعامل مع الشرعية كإطار وطني جامع، بل كرافعة مؤقتة لتمكين كوادره وتعزيز نفوذه، حتى وإن جاء ذلك على حساب استقلالية القرار الحكومي أو مبدأ الشراكة السياسية.

ويشير هؤلاء إلى أن كثيراً من القرارات الإدارية والأمنية باتت تُتخذ بمنطق الولاء الحزبي لا الكفاءة أو القانون، الأمر الذي أضعف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة في مناطق يفترض أنها “محررة”.

تعز مدينة مفتوحة على الانتهاكات

في محافظة تعز، التي دفعت ثمناً باهظاً للحرب والحصار والانقسام، تتصدر الاتهامات الموجهة إلى قوات وأجهزة محسوبة على حزب الإصلاح مشهد الجدل العام.

تقارير حقوقية محلية وشهادات مواطنين تتحدث عن اعتقالات تعسفية طالت مدنيين وصحفيين وناشطين، جرى احتجازهم دون أوامر قضائية، على خلفيات سياسية أو بسبب آراء ناقدة للأداء الأمني والعسكري.

ويقول حقوقيون، إن بعض هذه الاعتقالات تطورت إلى حالات اختفاء قسري، حيث حُرم المحتجزون من التواصل مع أسرهم أو معرفة أماكن احتجازهم، في انتهاك واضح للقانون اليمني والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

كما تتحدث شهادات متطابقة عن وجود مرافق احتجاز غير رسمية، خاضعة لسيطرة تشكيلات أمنية أو عسكرية نافذة، تعرض فيها محتجزون للتعذيب وسوء المعاملة.

الصحافة تحت الضغط

حرية الصحافة في تعز لم تكن بمنأى عن هذا المشهد. فقد تعرض صحفيون ومراسلون للملاحقة والتهديد والاحتجاز بسبب تقارير أو منشورات اعتُبرت “مسيئة” أو “مناوئة” لخطاب السلطة المحلية والقوى الأمنية الإخوانية المسيطرة. وتُتهم أجهزة أمنية باستخدام تهم فضفاضة، مثل الإساءة للمؤسسة العسكرية أو زعزعة الأمن، كغطاء قانوني لإسكات الأصوات المستقلة.

ويرى مراقبون أن هذا السلوك يعكس خشية من كشف ملفات حساسة، أكثر مما يعكس حرصاً على الأمن، ويؤكد أن البيئة الإعلامية في تعز باتت خاضعة لمعادلة الولاء السياسي الحزبي، لا لمبدأ الحق في المعرفة.

المال العام والجبايات غير القانونية

ملف الفساد المالي يشكل أحد أبرز محاور الاتهام. إذ يشكو تجار ومواطنون من فرض جبايات غير قانونية تحت مسميات دعم الجبهات أو المجهود الحربي، دون وجود آليات واضحة للتوريد أو الرقابة.

ويشير اقتصاديون محليون إلى أن هذه الممارسات أضرت بالاقتصاد المحلي، وفاقمت معاناة السكان، في وقت لم ينعكس فيه هذا التحصيل على تحسين الخدمات الأساسية.

كما أُثيرت شبهات حول إدارة الإيرادات المحلية، وغياب الشفافية في صرفها، وسط اتهامات باستغلال النفوذ الحزبي لحماية المتورطين ومنع مساءلتهم.

مأرب النفوذ الهادئ والملفات المؤجلة

في مأرب، حيث تقل الضوضاء الإعلامية مقارنة بتعز، لا يعني ذلك غياب الإشكالات. فالمحافظة، التي شكلت مركز ثقل سياسي وعسكري لسنوات، شهدت بدورها اتهامات تتعلق بالهيمنة الحزبية على القرار المدني والعسكري.

ويتحدث ناشطون عن اعتقالات تعسفية نفذت في فترات سابقة، وعن إدارة أمنية لم تخلُ من الانتهاكات، وإن جرى التعامل معها بعيداً عن الإعلام.

كما تُطرح تساؤلات حول إدارة الموارد والإيرادات، في ظل غياب تقارير مالية معلنة، وعدم إخضاع المسؤولين للمساءلة، رغم حجم الأموال التي دارت في المحافظة خلال سنوات الحرب.

التستر المؤسسي وثقافة الإفلات من العقاب

القاسم المشترك في معظم هذه الملفات هو غياب المحاسبة. ففي حالات عديدة، لم تُفتح تحقيقات جدية، أو جرى التعامل معها بشكل شكلي، أو انتهت بنقل المتهمين إلى مواقع أخرى دون محاسبة حقيقية.

هذا النمط عزز قناعة لدى شريحة واسعة من المواطنين بأن هناك تستراً سياسياً منظّماً، يهدف إلى حماية عناصر محسوبة على الحزب، حتى وإن ثبت تورطهم في انتهاكات جسيمة.

ويرى قانونيون أن أخطر ما في هذا السلوك أنه يقوض فكرة الدولة نفسها، ويحوّل المؤسسات من أدوات لخدمة المجتمع إلى أدوات لحماية النفوذ.

إعلام الحزب وتبرير الممارسة

إلى جانب النفوذ الأمني والعسكري، يقوم حزب الإصلاح بتوظيف ماكينة إعلامية واسعة لتبرير ممارسات عناصره، وإعادة صياغة الوقائع بما يخدم روايته.

إذ تُقدَّم الانتهاكات، في كثير من الأحيان، على أنها “إجراءات أمنية”، أو “أخطاء فردية”، أو “مؤامرات سياسية”، بينما يجري تصوير أي نقد على أنه استهداف للمشروع الوطني أو خدمة لأجندة معادية.

ويرى مراقبون أن هذا الخطاب الإعلامي يسعى إلى إقناع الرأي العام بصدق وطنية مشروع الحزب، في الوقت الذي تتناقض فيه الممارسة على الأرض مع شعارات الدولة والقانون، ما يخلق فجوة متزايدة بين الخطاب والواقع.

الشرعية بين الدولة والحزب

أحد أخطر الاتهامات الموجهة للإصلاح يتمثل في سعيه، وفق منتقديه، إلى تقويض مهام ومسؤوليات الحكومة الشرعية نفسها، عبر تحويلها إلى غطاء سياسي لمصالحه. فبدل تعزيز مؤسسات الدولة، جرى إضعافها، وبدل توحيد القرار، جرى تسييسه، ما انعكس سلباً  على صورة الشرعية داخلياً وخارجياً.

ويحذر سياسيون من أن استمرار هذا النهج لا يخدم سوى إطالة أمد الصراع، ويقوض أي فرصة لبناء دولة حقيقية بعد الحرب.

خلاصة مفتوحة على الأسئلة

بين الخطاب الوطني الذي يرفعه حزب الإصلاح، الإخوان المسلمون، والممارسات المنسوبة لعناصره في تعز ومأرب، تتسع مساحة الأسئلة. أسئلة حول معنى الشرعية، وحدود العمل الحزبي، ومسؤولية القوى النافذة تجاه القانون وحقوق الإنسان.

وحتى تُجاب هذه الأسئلة، يبقى فتح ملفات الانتهاكات والفساد، وإخضاع الجميع للمساءلة دون استثناء شرطاً أساسياً لاستعادة ثقة المواطنين، وبناء دولة لا تُختطف باسم السياسة، ولا تُدار بمنطق الغلبة.