مسؤول أممي: اليمن يتجه نحو أزمة إنسانية أشد مع تراجع التمويل واحتجاز موظفي الأمم المتحدة

حذّر جوليان هارنيس، المنسق المقيم للأمم المتحدة والمنسق الإنساني في اليمن، من أن البلاد تتجه نحو تدهور إنساني "أشد خطورة" خلال العام المقبل، في ظل فجوة تمويلية حادة، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وتراجع الدعم المقدم للقطاع الصحي، إضافة إلى استمرار احتجاز عشرات موظفي الأمم المتحدة في مناطق خاضعة لسيطرة جماعة الحوثي.

وجاءت تصريحات هارنيس، خلال مؤتمر صحفي عُقد يوم الاثنين في قصر الأمم بمدينة جنيف، بعد يومين من عودته من العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، حيث قال إنه رأى عن قرب مؤشرات مقلقة على اتساع رقعة الفقر وسوء التغذية، مؤكداً أن الوضع الإنساني في اليمن "يثير قلقاً بالغاً".

وأوضح أن نحو 19.5 مليون شخص احتاجوا إلى مساعدات إنسانية خلال العام الماضي، بينما لم تُموَّل خطة الاستجابة الأممية سوى بنسبة 28% فقط، ما يعادل نحو 688 مليون دولار، محذراً من أن عدد المحتاجين مرشح للارتفاع إلى نحو 21 مليون يمني في عام 2026.

وأشار هارنيس إلى أن الأزمة لا تعود بالأساس إلى القتال المباشر، بل إلى "الطريقة التي تُدار بها القرارات الاقتصادية والسياسية"، موضحاً أن انهيار الاقتصاد، وتضرر الموانئ، وتعطل المطارات، وضعف الخدمات الأساسية، كلها عوامل دفعت بانعدام الأمن الغذائي إلى مستويات غير مسبوقة، لا سيما في مناطق الساحل الغربي وتهامة.

وفيما يتعلق بتراجع الاهتمام الدولي، قال هارنيس إن اليمن يعاني من ضعف التغطية الإعلامية الدولية، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، حيث يعيش نحو 70% من السكان، مشيراً إلى أن قلة وصول وسائل الإعلام الدولية تسهم في تراجع الزخم السياسي والتمويلي للأزمة.

وأضاف أن الأمم المتحدة تطرح الوضع الإنساني في اليمن بشكل دوري أمام مجلس الأمن والدول المانحة، لكن الاستجابة لا تزال دون المستوى المطلوب.

وحذّر من أن النظام الصحي، الذي ظل مدعوماً من الأمم المتحدة والبنك الدولي على مدى عقد، يواجه "تغييراً جذرياً" مع تقلص التمويل، في وقت لا تمتلك فيه الحكومة اليمنية ولا سلطات الأمر الواقع في صنعاء القدرة على تعويض هذا الدعم. 

وقال إن ذلك يعرّض البلاد لخطر تفشي أوبئة واسعة، خاصة أن اليمن سجل سابقاً أعلى معدلات إصابة بالحصبة في العالم، وشهد موجات متكررة من الكوليرا.

وأضاف أن تفاقم الأزمة الصحية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بسوء التغذية، موضحاً أن انعدام الأمن الغذائي ليس السبب الوحيد، بل يتداخل مع ضعف الوصول إلى المياه النظيفة، وتدهور خدمات الرعاية الصحية، والظروف الاقتصادية القاسية، وهو ما يرفع معدلات الوفاة، خصوصاً بين الأطفال دون سن الخامسة.

وفي شمال اليمن، قال هارنيس إن عمل الأمم المتحدة بات "معرقلاً بشكل خطير" بسبب احتجاز 73 موظفاً أممياً منذ عام 2021 على موجات متتالية، إضافة إلى مصادرة مكاتب المنظمة. 

وأكد أن هذه الإجراءات حرمت الأمم المتحدة من الحد الأدنى من الظروف اللازمة للعمل، معرباً عن قلقه العميق على سلامة زملائه المحتجزين لدى مليشيا الحوثي، وعلى تأثير ذلك في الوقت نفسه على ملايين اليمنيين الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

وأوضح أن الأمم المتحدة تعمل حالياً مع المنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية لإعادة تنظيم الاستجابة الإنسانية، لكنه شدد على أن هناك قدرات لا تستطيع توفيرها سوى وكالات الأمم المتحدة، مثل دعم آلاف المرافق الصحية الأولية، محذراً من أن أي تراجع في هذا الدور ستكون له "عواقب وخيمة".

وحول دور الدول المانحة، قال هارنيس إن الولايات المتحدة كانت لسنوات أكبر داعم للاستجابة الإنسانية في اليمن، إلا أن الظروف السياسية والأمنية جعلت تمويلها أكثر تعقيداً في المرحلة الراهنة، معرباً عن أمله في عودة الدعم الأمريكي جزئياً على الأقل.

وشدد على أهمية مساهمة دول الخليج، محذراً من أن الأوبئة في اليمن تمثل خطراً يتجاوز حدوده، وقد تنتقل عبر المنطقة كما حدث سابقاً مع الكوليرا.

وفي ما يخص أزمة المياه، أوضح هارنيس أن التحدي الأكبر لا يرتبط بالدمار الناجم عن القصف، بل بنضوب المياه الجوفية، وتغير المناخ، وارتفاع كلفة الطاقة اللازمة لضخ المياه، مؤكداً أن هذه العوامل تشكل ضغطاً متزايداً على الصحة العامة في مختلف أنحاء البلاد.

واختتم المسؤول الأممي حديثه بالتأكيد أن الوضع في اليمن "معقد إلى حد بعيد"، لكنه شدد على أن الحقيقة الأساسية تبقى واضحة، وهي أن "الأطفال يموتون، وأن الوضع مرشح للتدهور"، داعياً المجتمع الدولي ووسائل الإعلام إلى إيلاء الأزمة اليمنية اهتماماً أكبر، محذراً من أن كلفة التأخير ستكون ارتفاعاً حاداً في معدلات الوفيات والأمراض خلال الفترة المقبلة.