فقط في اليمن.. الارتزاق "ذكاء" والعمالة "براعة سياسية"
في زمنٍ اختلطت فيه القيم، لم يعد غريبًا أن نرى الارتزاق يُسوَّق على أنه “ذكاء”، والعمالة تُقدَّم على أنها “براعة سياسية”، والخيانة تُلبس ثوب الواقعية. صار بعض الناس يفتخرون بأنهم “يلعبون على كل الحبال”، ويعملون مع كل الأطراف، لا من أجل الوطن، بل من أجل أنفسهم.
الأخطر من ذلك أن تظهر على الساحة وجوهٌ تُقدَّم باعتبارها قيادات ومسؤولين، بينما يعرف الجميع –وهم قبل غيرهم– أنهم ليسوا سوى مأجورين، موظفين ينفذون الأوامر، بلا رأي مستقل ولا موقف وطني. يتبدلون بتبدل المصالح، ويتغير خطابهم مع تغيّر الجهة الدافعة، وكأن المبادئ سلعة تُشترى وتُباع في سوق السياسة والإعلام.
ومعهم يظهر “المنظّرون” و”المطبّلون” في وسائل الإعلام: أقلام وأصوات لا همّ لها إلا المدح والتلميع، لا فرق عندهم من يمدحون، المهم أن تُسوّى أوضاعهم، ويُضمن راتبهم، وتُفتح لهم الأبواب. يبيعون الكلمة، ثم يبيعون الموقف، ثم لا يترددون في بيع الوطن كله مقابل حفنة مال أو منصب زائل.
هؤلاء لا يعملون مع طرف ضد آخر من أجل مبدأ، بل يعملون مع كل الأطراف ضد بلدهم. يتاجرون بمعاناة الناس، ويتغذون على الأزمات، ويكبرون كلما صغر الوطن في عيونهم. لا يعرفون معنى التضحية، ولا يفهمون قيمة الانتماء، فالوطن عندهم مجرد مرحلة مؤقتة، والمبدأ مجرد شعار يُستعمل عند الحاجة ويُرمى بعد ذلك.
المشكلة الأكبر ليست في وجود هؤلاء، فكل زمن فيه ضعفاء نفوس، بل في محاولة تلميعهم وتقديمهم كنماذج للنجاح. حين يُقال للشباب إن “الشطارة” هي أن تبيع نفسك لمن يدفع أكثر، وإن “الذكاء” هو أن تغيّر مواقفك كما تغيّر ملابسك، فإننا نصنع جيلًا بلا جذور، بلا هوية، بلا ضمير.
الوطـن لا يُبنى بالمأجورين، ولا يُحفظ بالمطبلين، ولا يُصان بالمتلونين. الوطن يحتاج إلى أناس يقولون “لا” حين يجب أن تُقال، ويقفون وحدهم إذا لزم الأمر، ويخسرون المال والمناصب ولا يخسرون أنفسهم. يحتاج إلى من يفهم أن الكرامة أغلى من الراتب، وأن الموقف أنقى من أي صفقة.
سيبقى الارتزاق موجودًا، وستبقى العمالة تحاول أن تلبس ثوب الشطارة، لكن سيبقى أيضًا من يميز بين الذكاء والخيانة، وبين السياسة والانتهازية، وبين العمل من أجل الوطن والعمل على حسابه. والتاريخ، مهما طال، لا يرحم: يذكر الشرفاء ولو كانوا قلة، ويكشف المأجورين ولو امتلأت بهم الشاشات.
ونستذكر هنا كلمة الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح حينما قال: "ما فيش عميل يصبح زعيم".