فورين أفيرز: روس كثر يعتبرون حرب أوكرانيا معادلة لهزيمة هتلر

استعرض الباحث الروسي أندري كوليسنيكوف تداعيات حرب أوكرانيا على روسيا نفسها، مشيراً إلى أنها أدت إلى انقلاب الأمة الروسية على نفسها.

وكتب كوليسنيكوف، في تقرير لمجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، أن قرار قادة الكرملين بشنّ الحرب "سرعان ما أصبح كارثة لروسيا وخاصة شبابها"، لكن، في الوقت ذاته، يقف بعض الرأي العام إلى جانب الكرملين.
 
وأضاف أنه على المدى المتوسط والطويل، يبدو أن "العملية العسكرية الخاصة"، كما يصرّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تسميتها، ستؤدي إلى تقويض جميع الأسس السياسية والاقتصادية والأخلاقية لروسيا.

حرب الروس مع أنفسهم
وقال الباحث إن نظام بوتين ينظر إلى الشعب الروسي بنفس الطريقة تقريباً التي ينظر بها إلى الأوكرانيين، ويرى أن الروس يجب أن يتبعوا زعيمهم بشكل أعمى، لذلك يفعل كل ما في وسعه لضمان وقوفهم إلى جانبه.

وأوضح أن أفكار بوتين تكلّف المراهقين الروس حياتهم؛ وأصبح الجنود الروس، وهي مجموعة لا تضمّ فقط الجنود المحترفين، ولكن الشباب الصغار الذين يؤدون الخدمة الإلزامية "وقوداً للمدافع"، وأرسلوا لساحات القتال، وهم غير مستعدين للقتال.

وفي خطابه الأخير، أعلن الرئيس الروسي الحرب على "خونة الوطن" و "الطابور الخامس"، وحثّ المواطنين على "التطهير الذاتي للمجتمع"، واستجاب الروس بسرعة للنداء، فقام الطلاب، على سبيل المثال، بإدانة معلميهم والعكس صحيح، وقام الزملاء بالإبلاغ عن بعضهم البعض.

كما شجع الرئيس الروسي الأعمال القاسية ضد منتقديه؛ فوجد الصحفي أليكسي فينيديكتوف محرر "إيكو أوف موسكو"، المحطة الإذاعية المستقلة التي أغلقها بوتين بعد وقت قصير من بدء الغزو، رأس خنزير خارج باب منزله، إلى جانب كتابات معادية للسامية. أما ديمتري موراتوف، رئيس تحرير صحيفة "نوفايا غازيتا" والحائز على جائزة نوبل للسلام العام الماضي، تعرّض لاعتداء جسدي في قطار.

بوتين قسّم الأمة
وقال كوليسنيكوف إن بوتين "قسّم" الأمة الروسية، بحيث أصبح كل من المعارضين والمؤيدين للزعيم الروسي أكثر تطرفاً. ففي حين نزل الشباب بشجاعة إلى الشوارع للاحتجاج على الحرب، احتشدت أغلبية واضحة من الروس حول بوتين، وباتت تهاجم أي شخص ينتقد الحرب.

وأوضح أن الخوف من السلطة لا يمنع الناس فقط من الاحتجاج على حرب بربرية، بل يجعلهم أيضاً غير قادرين على الاعتراف حتى لأنفسهم بأن "روسيا بوتين" ارتكبت شيئاً مروعاً. وبالنسبة للكثيرين، من الأسهل تجرع الدعاية الرسمية التي تقول إن "الأوكرانيين يهاجموننا وقمنا بضربة وقائية".

"متلازمة ستوكهولم"
وقال الباحث: "لقد سقط بوتين وكذلك الأمة. الروس، بشكل جماعي، يختبرون نسخة من متلازمة ستوكهولم، أي يتعاطفون مع جلاديهم، أكثر من تعاطفهم مع الضحايا".

ورأى أن الروس يستخدمون مصطلح "الفاشيين" لوصف كل من هو ضدهم، لكنهم مع ذلك، فإنهم أنفسهم يتصرفون مثل الفاشيين، وأصبح من الصعب عليهم الاعتماد على تجربة بلادهم في محاربة هتلر لتبرير نزعتهم العسكرية الوحشية، بل يكررون صورة الألمان في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
وخلال احتفالات يوم النصر في 9 مايو (أيار)، التي تحيي ذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية، سيحاول بوتين إجراء مقارنة مع الانتصار السوفيتي، لكن سيتعين عليه إيجاد الكلمات المناسبة لوصف المعايير المحددة للانتصار الجديد في أوكرانيا، ويجب أن يكون مقنعاً بما يكفي لجعل الانتصار مشابهاً لعام 1945.

ولكن يبدو أن العديد من الروس ينظرون بالفعل إلى ما تفعله روسيا الآن على أنه يعادل هزيمة هتلر. ويشعر معظم الروس بأنهم "محاصرون"، فالغرب أصبح أكثر عدائية تجاههم. وفي حين يدعمون بوتين باعتباره القائد الأعلى لجيشهم "الأسطوري"، يدركون في أعماقهم أن الرئيس قادهم إلى مكان قد يكون الهروب منه مستحيلاً. لكن الكراهية تكون سرية وليست علنية، والروس لا يمكنهم الاعتراف بذلك لأنفسهم.

الهروب من الواقع
وأضاف الباحث أن من يغادرون روسيا، يبتعدون عن الحرب، وينتظرون التغيير ليعودوا إلى بلدهم، وهؤلاء لا يحركهم الخوف من الاضطهاد، بقدر ما يحفّزهم عدم الإيمان بآفاق روسيا، والاشمئزاز مما أصبح عليه النظام.

وبمرور الوقت، يمكن أن تؤدي الآثار المتراكمة للحرب إلى تآكل ثقة الشعب ببوتين. ومع استمرار الحملة العسكرية وآلة الدعاية الهائلة، سيبدأ التماسك الاجتماعي في الانهيار. لكن في الوقت الحالي، يبدو أن الروس راضون عن إظهار استيائهم من العدو ويلقون باللوم على الولايات المتحدة وأوروبا.

وختم الباحث قائلاً إن بوتين وصل إلى طريق مسدود، ونتيجة لذلك تعاني أوكرانيا، إلى جانب بقية العالم. لكن الحرب على المدى الطويل كارثة للشعب الروسي أيضًا. فالأمة التي ساهمت كثيرًا في الثقافة العالمية، ستظل أيضاً لفترة طويلة مرتبطة بفلاديمير بوتين. ويتعين على الغرب أن يفهم أنه، بقدر ما يبدو مبتذلاً، فإن نظام بوتين والأمة الروسية ليسا نفس الشيء. وسيكون هذا الفهم حاسماً لبناء روسيا ما بعد بوتين. وخلاف ذلك، ستستمر الدولة في اعتبارها جيباً معادياً، يجب أن يتجنبها العالم. لكن في النهاية، سيكون على الروس أنفسهم أن يثبتوا بأفعالهم أن بلدهم هو أكثر من بوتين وأفعاله.